سورية... نحو عقد اجتماعي جديد (3)
سورية... نحو عقد اجتماعي جديد (3)
المناطقية في بعدها السياسي والعنصري لها نفس القدرةعلى التدمير(Getty)
ما سبق بيانه في الحلقتين السابقتين من هذه السلسلة ركّز على مشكلة الطائفية والطائفية المضادة في سورية، وهي مشكلة سماها المفكر السوري اليساري الراحل صادق جلال العظم بـ"العلوية السياسية"؛ على غرار المارونية السياسية في لبنان، حيث تتسلح النخب الطائفية بأفكار عن المظلومية التاريخية، وتنال على ضوء ذلك حقوقاً تميّزها عن غيرها، بذريعة حقوق الأقليات، ما يمكنها من حكم الجميع وتهميش الأغلبية.

لتنتقل بها الحال إلى نشوء حكم الفرد المطلق، بوصفه المخلص للطائفة، وفارسها المقدام، وهكذا يصنع نظام استبداد قمعي سلطوي يضطهد الآخرين ويستعمل أبناءه المخلصين له ليس لمصلحته فحسب، بل لمصلحة المستبد الشخصية.

هذه المشكلة الخطيرة رغم أهميتها القصوى ليست الوحيدة التي تهدد السلم الاجتماعي وتمنع نشوء عقد اجتماعي حقيقي قائم على العدل والاختيار لا القهر والاضطرار، بل ثمة مشكلات أخرى عديدة، لا تقل عن تلك المشكلة أهمية، وتتداخل معها ويغذي بعضها بعضاً.


فالمناطقية في بعدها السياسي تملك نفس القدرة على التدمير، وتحمل بذوراً للصراع الأهلي، وتظهر خطورة هذه المشكلة عندما يعرّف السوري نفسه بانتمائه المناطقي (الإقليمي) قبل أي شيء آخر، كأن يرى نفسه دمشقياً أو حلبياً أو حمصياً أو ديرياً قبل أن يكون سورياً، وفي هذه الحال لا تكمن المشكلة في ضيق الفضاء الإقليمي الذي يريد أي إنسان مختاراً الانتماء إليه غير عابئ بما بعده، بل بكونه رغم هذا الاختيار لا يسعى للانفصال والاستقلال عن البلاد ولا يخطر ذلك في باله أصلاً، فهو يريد أن يكون مناطقياً في قضايا محددة، وسورياً في قضايا أخرى، وذلك كله وفقاً للمصلحة.

وللمناطقية وجه آخر أكثر قبحاً، حيث التفريق بين الريف والمدينة، والتفريق العنصري هاهنا هو تفريق استعلائي أخلاقي بين خير مطلق وشر مطلق، وليس بين خير وشر من وجوه متفاوتة، وهنا يكمن الخطر.

في السنوات القليلة الماضية راجت على ألسنة وأقلام باحثين ومفكرين أفكار وتصنيفات بعضها ينمط النظرة إلى المدينة باعتبارها مهد الثورة السلمية، والريف باعتباره بؤرة العمل المسلح العنيف، وبعض آخر يجعل من المدن الكبرى حاضنة النظام الحقيقية، فيما يمثل الريف ضمير الثورة الحقيقي على النظام، إلى آخر ذلك من التصنيفات المتحمسة التي تستند إلى دراسات سطحية لظاهرة الثورة السورية وديناميكياتها وتقع في فخ الثنائيات، فيما تفتقر إلى التحليل العميق للتأثير النسبي والمتفاوت لكل عامل من العوامل المُشكّلة لظاهرة الثورة خاصة وجميع الظواهر الاجتماعية بوجه عام.

هذه التحليلات رغم مظهرها الأنيق وقالبها البحثي ليست سوى دليل ساطع على حجم الهوة التي سقط فيها المجتمع السوري إلى درجة جعلت بعض أعتى مثقفيه وأدنى سفهائه سيان، كما أنها تكشف حقيقة تهمنا كثيراً في هذا السياق، وهي أن التمايز الاجتماعي بجميع مستوياته لا يمكن لأي ثورة أو نظام أو تطور تاريخي أن يقضي عليه، فهو مشكلة تتكيف مع جميع الظروف، وتملك من السيولة ما يمكنها من التشكل على هيئة جميع القوالب المختلفة.

هذه التمايزات لم يتمكن أحد من القضاء عليها تاريخياً، لكن استطاع العديد من القادة الأفذاذ الحد من أثرها السلبي في وحدة المجتمع، وتمكنوا من تحويل خطرها إلى طاقة إيجابية انصبت على البناء بدلاً من الهدم، وليس ثمة مثال أوضح في هذا الصدد من المجتمع الذي أرسى رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام دعائمه في المدينة المنورة، حيث تحولت الصراعات البينية إلى تنافس على الحق والخير والمصلحة العامة، وإن كان هذا المجتمع قد انهار أو تبدلت معالمه بعد جيلين أو ثلاثة فذلك لأن أي عقد اجتماعي مهما بلغ به العدل بين أطرافه لا يمكن أن يجرى توارثه عبر الأجيال، إذ لا مناص من أن يعي كل جيل بنفسه أهمية ذلك العقد وضرورته ومفاسد الانحياز عنه.

من البديهيات أن الوحدة قوة والتفرق ضعف، وليس أصدق في هذا المقام من المثل القائل "فرق تسد" رغم انحرافه الأخلاقي، وإذا كان توحد أي جماعة بشرية يعد مصدر قوة كبيراً لها ولأفرادها على حد سواء، وخاصة لمن يقودونها، فإن طغيان القادة الأقوياء كفيل بهدم أي عقد اجتماعي قائم، ما يجعلنا أمام حلقة مفرغة، لا مخرج منها إلا بالتسليم لضرورة إقرار مجموعة من الأدوات والوسائل التي تصون المجتمع من جور بعض أفراده مهما بلغت قوتهم وطغيانهم، وترسخ ذهنية التعاقد العام بين الجميع، وعدم اقتصار مظاهر هذا التعاقد على مؤسسات الدولة بل امتداده إلى كافة مناحي الحياة العامة.