فساد رؤساء البلديات بالجزائر... انحرافات في حماية "العرش" والحزب

الجزائر
إيمان الطيّب
12 أكتوبر 2020

رصد بشير فريك، والي وهران الأسبق، أثناء عمله بالمدينة الواقعة غربي العاصمة، العلاقة بين اختيار الأحزاب لمرشحيها في الانتخابات البلدية ومنظومة الجهوية والعروش (القبائل) في الجزائر، بغض النظر عن الكفاءة الإدارية، إذ يحظى المرشح المنتخب بحماية طرف يمتلك نفوذا قويا، ولا يتوقف الأمر على مرشحي الأحزاب، فحتى الأحرار (المستقلون)، لا بد أن يدعمهم عرش قوي، و"حين يتم انتخاب أحدهم رئيسا لبلدية ما، يعبّر هؤلاء عن امتنانهم للعرش ويضطرون لرد الجميل عبر منح امتيازات غير مبررة أو صفقات غير مشروعة لمن يحمونهم، وبالتالي يصبح العرش هو الذي يسير البلدية من وراء ستار، ويجتمع رئيسه وأعيانه مع مسؤول البلدية حول موائد الكسكسي لمناقشة مختلف القضايا، والتواصل مع المسؤولين، ومن هنا تنطلق شبكات الفساد في البلديات"، مضيفا: "تطرقت إلى ذلك بشكل واضح وصريح في كتابي، منتخبو البلديات..مفسدون أم ضحايا".

"العروش" عائلات ممتدة ذات سلطة نابعة من أعراف المجتمع القبائلي

ويقصد بـ"العروش" عائلات ممتدة ذات سلطة نابعة من أعراف المجتمع القبائلي، كما يوضح الباحث في التاريخ وعلم الاجتماع السياسي بجامعة مسيلة البروفيسور أحمد رواجعية، مضيفا أن المصطلح ظهر في الجزائر بعد الاستقلال، إذ تلعب العروش دورا هاما في انتخاب رؤساء البلديات، وتابع قائلا لـ"العربي الجديد": "العرش يبحث دائما عمن يخدم مصلحته في الانتخابات البلدية ويسعى لإبقائه في السلطة، وهو ما لاحظناه بعدة مناطق في الجزائر، منها بلدية أولاد جلال في ولاية بسكرة التي تغولت فيها العروش وتدخلوا في صفقات توزيع العقار والسكنات والأراضي الفلاحية حتى أن السكان اشتكوا لمصالح الولاية بشأن ظفر هؤلاء بامتيازات غير مستحقة واحتكارهم لقوائم السكن والعقار".

ويرد رئيس بلدية أولاد جلال رشيد بوفاتح بأنه كرئيس بلدية يجابه صعوبات جمة في تحضير قوائم المستفيدين من السكنات الاجتماعية المدعّمة من طرف الحكومة الجزائرية، كون أنها تكون دائما متبوعة بضجة ولها ارتدادات بسبب مطالب "العرش" بإدراج أبنائه ومنحهم الأولوية وتصدّرهم القوائم.

الصورة
الجزائر 2

1100 متابعة قضائية

يحصي حزب العدالة والتنمية الجزائري المعارض وجود 1100 متابعة قضائية متنوعة، (تبدأ من شكاوى بسيطة وتصل إلى قضايا الفساد)، بحق رؤساء بلديات من إجمالي 1541 ميراً (لقب رئيس البلدية في الجزائر) يزاولون مهامهم، بحسب دراسة أعدها المحامي ورئيس مجلس الشورى بالحزب لخضر بن خلاف، والذي قال لـ"العربي الجديد": "يستقوي عدد كبير من رؤساء البلديات في الجزائر بالحزب الذي ينتمون له، خاصة المدعومين من الموالاة، وكذلك أصحاب المال الفاسد والنافذين في العرش الذي ينحدرون منه".

1100 رئيس بلدية في الجزائر متابعون قضائيا من إجمالي 1541 "ميراً" 

ويضرب بن خلاف مثالا بقضية عبد الرحمن فيلالي، رئيس بلدية حامة بوزيان بولاية قسنطينة، 300 كلم شرقي العاصمة، والذي يتابع في قضايا فساد وبالرغم من ذلك استمر في منصبه حتى انتهاء عهدته، بتاريخ (23 نوفمبر/ تشرين الثاني 2012)، وبحلول عام 2017 أراد الترشح مجددا لرئاسة نفس البلدية، ولكن الإدارة منعته بحكم ملفات الفساد المسجلة ضده، فقدم طعنا أمام المحكمة العليا قُبل من حيث الشكل عام 2019، وجرى التحقيق مجددا معه، وبالمقابل تم انتخاب شقيقه عبد الرزاق فيلالي رئيسا لنفس البلدية في مايو/أيار 2017.

الصورة
الجزائر4

وحسب الملف القضائي لفيلالي الموجود اليوم على طاولة المحكمة العليا، والذي اطلعت معدة التحقيق عليه، يتابع المعني بتهمة السرقة وإبرام صفقات مخالفة للقانون وإهدار المال العام ومنح سكنات البناء الريفي لمكتب صفقات مقابل رشاوى، ورغم ذلك استمر المعني في إدارة منصبه إلى غاية استكمال عهدته.

ويرد فيلالي على الاتهامات قائلا لـ"العربي الجديد": "أودعت طعنا لدى المحكمة العليا بشأن التهم المنسوبة لي وقُبل من حيث الشكل بتاريخ 16 أكتوبر/ تشرين الثاني 2019"، مضيفا: "أنا بريء من كل التهم المنسوبة إليّ والتي ترجع لخلافات سياسية، مع المترشحين لنفس المنصب".

ويعلق فيلالي بشأن دعم "العرش" الذي ينتمي إليه في قسنطينة، "نحن أناس معروفون ومحبوبون هناك، ساهمنا في خدمة البلدية والدليل أنه اليوم وبعد انتهاء عهدتي كرئيس لها، تم انتخاب أخي على رأسها، وحتى أن هناك دائما من يطالبني بالترشح من جديد وهذا دليل على براءتي".

الدور المفقود لوزارة الداخلية

يكشف عبد القادر بن معروف، رئيس مجلس المحاسبة (هيئة رقابية مستقلة تصدر تقارير سنوية عن إنفاق المال العام)، عن إحالة 15 ملف اشتباه في وقائع فساد تورط فيها رؤساء البلديات إلى العدالة أخيرا، وفقا لما أكده أمام أعضاء لجنة المالية والميزانية بالبرلمان الجزائري في شهر يونيو/حزيران المنصرم بحسب ما قاله لـ"العربي الجديد" عضو اللجنة النائب عمار موسي.

وأوقفت السلطات 25 رئيس بلدية رهن الحبس المؤقت خلال العام الجاري فيما أدين 150 آخرون، وفقا لما أوضحه المحامي المعتمد لدى المحكمة العليا إبراهيم بهلولي، ويخضع هؤلاء للقانون رقم 06-01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته والذي يعاقب في المادة 25 من الباب الرابع بـ"الحبس من سنتين الى عشر سنوات وغرامة مالية من 200 ألف دينار (1562 دولارا أميركيا ) إلى مليون دينار (7814 دولارا) لكل موظف عمومي طلب أو قبل بشكل مباشر أو غير مباشر مزية غير مستحقة سواء لنفسه أو لصالح شخص آخر لأداء الامتيازات غير المبررة في مجال الصفقات العمومية"، بالإضافة إلى المادة 26 من قانون العقوبات والتي تنص على أنه: "يعاقب بالحبس من سنتين الى 10 سنوات وبغرامة مالية من 200 ألف دينار إلى مليون دينار كل موظف عمومي يقوم بإبرام عقد أو يؤشر أو يراجع عقد أو اتفاقية أو صفقة أو ملحقا مخالفا للأحكام التشريعية والتنظيمية بغرض إعطاء امتيازات غير مبررة".

الصورة
الجزائر5

وتتلقى مديرية متابعة المنتخبين المحليين على مستوى وزارة الداخلية والجماعات المحلية بصفة دورية تقارير شاملة حول المنتخبين منذ ترشحهم وحتى استلامهم مهامهم وممارستها، بحسب إفادة مدير التنمية المحلية بالوزارة يوسف رومان، والذي أضاف في تصريحات لـ"العربي الجديد": "يتم تدوين كل ما يخص تسييرهم للمجالس بما فيها الأخطاء المرتكبة، وفي حال ثبت تورطهم في الفساد، تقوم مصالح الداخلية بفتح تحقيق، وتراقب قرارات العدالة التي تتصرف على أساسها،" ويرد المتحدث على وجود 1100 رئيس بلدية متابعين في قضايا الفساد، بأن العدالة مستقلة في الجزائر، وبمجرد صدور الأحكام النهائية ضد رؤساء البلديات يتم إنهاء مهامهم، ولا يمكن القيام بأي خطوة ضدهم قبل ثبوت إدانتهم.

إقرار السلطة

يؤكد فؤاد سبوتة، مقرر لجنة الشؤون القانونية بمجلس الأمة الجزائري، والنائب عن حزب جبهة التحرير الوطني، الموالي للسلطة، أن تورط رئيس البلدية في قضايا الفساد، مرتبط دائما ببحثه عن تحقيق مصالح شخصية بالتواطؤ مع مسؤولين كانوا مسيطرين على الحكم خلال فترة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وتتعلق مجمل تلك المخالفات بتسيير صفقات عمومية، ويعترف سبوتة بتورط رؤساء بلديات من حزب جبهة التحرير الوطني في الفساد وربط ذلك بثلاث نقاط أساسية، كون أن أغلب رؤساء البلديات من حزبه، وبالتالي فمن المنطقي أن يكون أغلب المتابعين قضائيا تابعين له، إضافة إلى ضعف مستوى رؤساء البلديات وهو ما يوقعهم في فخ الصفقات الفاسدة، عن قصد وغير قصد حسبه، ناهيك بمساهمة أعضاء المجلس البلدي وهم من أحزاب مختلفة في الزج برئيس البلدية في صفقات فاسدة.

ضعف التكوين

يعاني أغلب رؤساء البلديات في الجزائر من مشكلة ضعف التكوين العلمي والعملي وغياب التخصص في مجال التسيير الإداري، ما يوقعهم ضحايا للفساد، بحسب ما ذكره النائب سبوتة، لافتا إلى أن الانتماء القبلي يكون عادة أحد أسباب وصول رئيس البلدية إلى منصبه، بدلا من المستوى التعليمي والفكري وهو ما يدعم استقواء رئيس البلدية بـ"العرش" .

لكن، ما الحل لمجابهة الظاهرة؟ يجيب مقرر لجنة الشؤون القانونية، مقترحا مراجعة قانون الجماعات المحلية خاصة أن وزارة الداخلية لديها مشروع قانون جاهز تأخر صدوره بسبب الحراك الشعبي الذي عاشته الجزائر في فبراير/ شباط 2019 ومن ثم تفشي وباء كورونا. ويؤكد مقرر اللجنة أن القانون الجديد وإن كان لم يتطرق إلى ملف العروش بشكل واضح، ولكنه يمنع أية امتيازات غير مستحقة لأي طرف أو تجاوزات في الصفقات العمومية لصالح أي جهة سواء أكانت العرش أم غيره.

الصورة
الجزائر6

ودعا إلى فتح نقاش مجتمعي واسع حول القانون وأن تضاف إليه بعض البنود المحددة لصلاحيات رؤساء البلديات والفارضة لإخضاعهم لعقوبات في حال الخطأ، مؤكدا أن رئيس البلدية تظل صلاحياته مبهمة وتابع: "سأقدم طلبا رسميا لوزير الداخلية بعد استفتاء تعديل الدستور في الفاتح من نوفمبر/تشرين الثاني، من أجل التعجيل في إصدار مشروع قانون الجماعات المحلية"، مقترحا إجراء تدريب لرؤساء البلديات مباشرة بعد استلامهم المهام واختيار أمناء عامين مارسوا المهام الإدارية وعلى دراية بشؤون البلدية وتعيين مستشار قانوني محلف ينبه الرئيس بقانونية الصفقات المبرمة، وهو ما يؤيده النائب لخضر بن خلاف قائلا أن استفتاء الدستور المقبل ستعقبه انتخابات محلية ومن أجل نزاهتها لا بد أن تكون بعيدة عن سلطة "العرش" والمال الفاسد، لوقف التزوير الذي لطالما اشتكى منه الشعب طيلة الاستحقاقات الماضية.

ذات صلة

الصورة
وقفة آية خطيب/ العربي الجديد/ مجتمع

أخبار

شارك العشرات في وقفة تضامنية دعماً للأسيرة الناشطة الاجتماعية في مجال الإغاثة الإنسانية آية خطيب (30 عاماً) من قرية عرعرة بالداخل الفلسطيني، أمام محكمة في حيفا، وذلك خلال جلسة لمحاكمتها، اليوم الأربعاء
الصورة
نتنياهو(Getty)

أخبار

ردد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أن منعه من ترؤس الحكومة المقبلة، بقرار للمحكمة العليا، على خلفية الاتهامات الموجهة له، سيؤدي لاحتجاجات وللدعوة لمقاطعة الانتخابات إذا أجريت، في ظل تعثر المفاوضات بينه وبين بني غانتس، بحسب ما قالته "هآرتس".
الصورة
وجوه النظام/ الجزائر

أخبار

تتجه الأزمة الداخلية في حزب "جبهة التحرير الوطني"، الذي يقوده رئيس البرلمان معاذ بوشارب، نحو الانسداد، بفعل تطورات ومواقف ذات صلة بالحراك الشعبي ورفض المتظاهرين وجود الحزب في المشهد السياسي.
الصورة
معاذ بوشارب/ الجزائر

سياسة

أعلن حزب "جبهة التحرير الوطني" الحاكم في الجزائر عن إطلاق مشاورات سياسية مع مختلف الفاعلين السياسيين لتطويق الأزمة في البلاد ومنع حدوث تطورات غير محمودة.