عودة الجهاديين الجزائريين... ثنائية الحل الأمني والمصالحة لإنهاء ملف مسلحي الساحل

14 أكتوبر 2018
الصورة
+ الخط -
بعد 7 سنوات من الانخراط في الجماعات المسلحة النشطة في الحدود مع مالي، سلم الإرهابي ميلود كلغلغ نفسه للجيش الجزائري بولاية تمنراست الحدودية، جنوبي العاصمة، في 5 سبتمبر/ أيلول الماضي، في ظاهرة باتت متكررة لمن يتخلون عن التنظيمات الإرهابية ويعودون طوعيا بفضل مقاربة تزاوج بين الحلول الأمنية وتفعيل بنود قانون المصالحة، مثلما يقول المدير السابق للأكاديمية العسكرية لمختلف الأسلحة بشرشال اللواء المتقاعد عبد العزيز مجاهد.

وتتميز هذه المقاربة، حسب ما يقول الخبير الأمني أحمد ميزاب رئيس اللجنة الجزائرية الأفريقية للسلم والمصالحة (منظمة غير حكومية)، بأنها "شاملة تعتمد على إشراك وزارات الداخلية والعدل والتضامن والعمل، وتهدف إلى تحقيق مكسب مزدوج يتمثل في تفكيك خلايا إرهابية وكسب معلومات استخباراتية، وهو ما بنيت عليه أهداف قانون ميثاق السلم والمصالحة الوطنية الصادر في 27 فبراير/ شباط من عام 2006".

ميلود ليس بمفرده، إذ سلم 111 إرهابيا أنفسهم منذ بداية العام حتى 8 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، 66 منهم خلال النصف الأول من 2018، إضافة إلى تسليم 10 أفراد من عائلات إرهابيين أنفسهم خلال الفترة ذاتها، بحسب ما تكشفه إحصاءات وزارة الدفاع الجزائرية التي بحوزة "العربي الجديد"، والتي لفتت إلى تسليم 79 إرهابيا أنفسهم بتمنراست، ما يمثل نسبة 71 بالمائة ممن سلموا أنفسهم خلال الفترة ذاتها، وقدم معظمهم من شمال مالي، حسب ما يقوله الخبير الأمني أكرم خريف.

ولا تقتصر عودة الجهاديين على الأفراد العاديين، إذ تشير حصيلة وزارة الدفاع إلى أن قياديين جزائريين منخرطين في تنظيمات في منطقة الساحل سلموا أنفسهم، منهم "آبزو عيسى" المدعو "سلطان ولد بادي"، الذي سلم نفسه في 11 أغسطس/ آب للسلطات العسكرية بتمنراست بعدما التحق بالجماعات الإرهابية سنة 2006 ويعد من أبرز مسؤوليها، وكذلك أ. مولتافة، المكنى أبو عيسى، الذي كان قد التحق بالجماعات الإرهابية عام 2015.


جيل ثان من الإرهابيين 

يمكن تصنيف الإرهابيين العائدين باعتبارهم جيلا ثانيا من الجهاديين الجزائريين الذين التحقوا بالجماعات الإرهابية، فمعظمهم كانوا ينشطون خارج الجزائر، خاصة في منطقة الساحل، كما يقول ميزاب لـ"العربي الجديد"، إذ يفضل هؤلاء تسليم أنفسهم عبر ممرات آمنة عبر حدود مالي والنيجر، بدلا من الحدود الشرقية مع ليبيا بسبب غلق معظم المعابر هناك بعد الاعتداء الإرهابي على المنشأة النفطية الجزائرية بتغنتورين، جنوب شرق الجزائر، في 16 يناير/ كانون الثاني من عام 2013.

ويلفت الخبراء الأمنيون الذين تحدثوا لـ"العربي الجديد"، إلى أن معظم من سلموا أنفسهم للجيش الجزائري في الولايات الجنوبية ينتمون إلى تنظيمات إرهابية مرتبطة بالقاعدة تنشط في منطقة الساحل. وحسب الخبير الأمني أكرم خريف، فإن معظم الإرهابيين القادمين من مالي ينتمون إلى تنظيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التي تأسست في مارس/ آذار من عام 2017 بعد تحالف واندماج أربعة تنظيمات مسلحة مشاركة في الصراع في شمال مالي، وهي إمارة منطقة الصحراء الكبرى والمرابطون وجماعة أنصار الدين وجبهة تحرير ماسينا، وهو ما يتفق معه اللواء مجاهد، الذي يؤكد على انتماء معظم من سلموا أنفسهم إلى تنظيمات القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وليس داعش، الذي لم ينضم إليه الجزائريون بكثرة، إذ إنه حسب تقرير معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى الصادر في يناير الماضي، فإنه لا يوجد سوى 130 جزائريا ينتمون لداعش في ليبيا، كما تظهر إحصاءات نشرها مركز الأبحاث الأميركي "سوفان غروب" في إبريل/ نيسان من عام 2017، أن عدد الجزائريين في داعش في سورية والعراق لا يتجاوز 170 مقاتلا.


منظومة أمنية تجاوزها الزمن

تظهر أرقام وزارة الدفاع التي اطلعت عليها "العربي الجديد"، أن معظم من سلموا أنفسهم التحقوا بالجماعات الإرهابية بعد 2009، وهو أمر منطقي بالنسبة للعقيد السابق في المخابرات عبد الحميد العربي شريف، والذي يرى أنه "منذ نهاية 2008 تم العمل على إحياء مشروع إثارة القلاقل الأمنية في الصحراء الجزائرية، وبدأ تجنيد أبناء الولايات الجنوبية، من خلال حركة أبناء الصحراء (الجنوب) من أجل العدالة، بزعامة عبدالسلام طرمون واثنين من عائلة بوشنب هما محمد الأمين ويوسف، والذين تم ضمهم إلى الجماعات الإرهابية عن طريق مختار بلمختار المكنى بالأعور، أمير منطقة الصحراء في الجماعة الإسلامية المسلحة وأمير كتيبة الملثمين في تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، الذي دفعت فرنسا ما قيمته 58 مليون دولار لتحرير رهائن لها اعتقلوا لديه ولدى عدة تنظيمات مرتبطة به منذ عام 2008 وحتى عام 2013"، حسب تقرير صادر عن منتدى الاقتصاد العالمي الصادر في 10 ديسمبر/ كانون الأول من عام 2014.

وقتل عبد السلام طرمون في 10 يناير الماضي بمدينة سبها الليبية، ويرى العقيد شريف أنه اغتيل لرغبته في تسليم نفسه بينما كانت بحوزته معلومات استخباراتية لم ترض الجهات التي تقف وراء التنظيمات الإرهابية في مالي وليبيا وصولها للجزائر، مضيفا "تم ضم هؤلاء للتنظيمات الإرهابية في دول الساحل الأفريقي، كالقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والملثمون لتكوين مليشيات إرهابية من ولايات الجنوب ضمن مشروع طويل الأمد للعبث باستقرار الجنوب الجزائري، بعدها حدث الاعتداء على المنشأة النفطية في تغنتورين، وهو ما أثبت أن الجزائر تسير بمنظومة أمنية تجاوزها الزمن وتتطلب التغيير، وتم نقل مهمة مكافحة الإرهاب من دائرة الاستعلام والأمن (المخابرات الجزائرية) إلى قيادة الأركان وتتبعان وزارة الدفاع الوطني".




وحسب العربي شريف، فقد "قررت بعدها قيادة أركان الجيش الجزائري اعتماد خطة جديدة تتمثل في غلق الحدود ومنع تسلل الجماعات الإرهابية واسترجاع جميع الأسلحة التي كانت مخبأة في عدة مناطق بالصحراء من قبل التنظيمات الإرهابية، الأمر الذي دعم من عمليات تسليم الإرهابيين أنفسهم".

وكشفت وزارة الدفاع الجزائرية 423 مخبأ للإرهابيين و9 ورشات لصناعة المتفجرات، وحجزت 678 قطعة سلاح حربية (288 قطعة كلاشنيكوف، 263 بندقية، 26 مسدسا، 63 بندقية رشاشة، 16 قاذف صواريخ، 17 مدفعا تقليديا، 5 هاونات)، تم ضبط معظمها خلال العام الماضي بالشريط الحدودي مع مالي، وفق ما تكشفه إحصائية صادرة عن وزارة الدفاع.


إجراءات تسليم الإرهابيين أنفسهم

تلعب عائلات الإرهابيين دورا مهما في تسليم هؤلاء أنفسهم للسلطات الأمنية، كما يقول رئيس خلية المساعدة القضائية لتطبيق تدابير ميثاق السلم والمصالحة الوطنية مروان عزي، لـ"العربي الجديد"، لافتا إلى أن اللجنة عالجت ملفات 9 آلاف إرهابي سلموا أنفسهم منذ بداية تطبيق المصالحة الوطنية في يونيو 2006 حتى نهاية مهمتها في 2015، يضاف إليهم 6200 إرهابي تائب استفادوا من تدابير قانون الوئام المدني المطبق في 1999.

ويلفت العقيد عبد الحميد العربي شريف إلى أن الإرهابي قبل أن يسلم نفسه يتحرى عن الكيفية التي عومل بها من سلموا أنفسهم قبله، وتزداد ثقته في التوبة بعد التأكد من أنه سيحظى بمحاكمة عادلة.

وتخضع إجراءات التسليم لبنود الأمر رقم 06-01 المؤرّخ في 27 فبراير 2006 المتضمّـن تنفـيذ ميثـاق السلم والمصالحة الوطنيّـة الذي يطبق "على الأشخاص الذين ارتكبوا أو شاركوا في ارتكاب فعل أو أكثر من الأفعال المنصوص والمعاقب عليها بمـوجب مواد قانون العقوبات وكذا الأفعال المرتبطة بها".

ويوضح المحامي مصطفى فاروق قسنطيني، رئيس اللجنة الاستشارية لترقية حقوق الإنسان، التي تم حلها واستبدلت بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان (حكومي يتبع لرئاسة الجمهورية) والتي كانت تتابع ملف الإرهابيين التائبين، لـ"العربي الجديد"، أن الميثاق يسمح بانقضاء الدعوى العمومية ضد هؤلاء المسلحين، وتكمن أهميته في أنه لم يرتبط بزمن محدد وأبقى باب التوبة مفتوحا حتى الآن.

و"تنقضي الدعوى العموميـة في حق كـلّ شخص محل بحث في داخل التراب الوطـني أو خارجه، بسبب ارتكابه أو اشتراكه في ارتكاب فعل أو أكثر من الأفعال المنصوص عليها بموجب الأحكـام المذكورة في المادّة 2، ويمثل طوعا أمام السلطات المختصّة ويصرح بوضع حد لنشاطاته"، وفق ما تشير إليه المادة 6 من الميثاق.

غير أن بعض الإرهابيين لا يمكنهم الاستفادة من العفو، وهم الذين "ارتكبـوا أفعـال المجـازر الجماعية أو انتهاك الحـرمات أو استعمال المتفجّـرات في الأماكن العمومية، أو شاركوا فيها أو حرّضوا عليها".

ويلزم "الإرهابي التائب" بـ"تقديم تصريح يشتمل خصوصا على الأفعال التي ارتكبها أو كان شريكا فيها أو محرّضا عليها، والأسلحة أو الذخائر أو المتفجرات أو كلّ وسيلة أخرى يحوزها كانت ذات صلة بهذه الأفعال. وعليه أن يسلّمها للسلطات أو يدلّها على المكان التي تكون موجودة فيه"، وفق ما تأمر به المادة 13 من الميثاق، وبعد هذه الإجراءات، يتم إصدار حكم بالعفو مثلما تنص المادة 16.

وبهدف الوقاية من تكرار ما يسميه القانون الجزائري "المأساة الوطنية" (العشرية السوداء)، فإن المادة 9 "تمنع ممارسة النشاط السياسي على كلّ شخص مسؤول عن الاستعمال المغرض، كما تُمنع ممارسة النشاط السياسي على كل من شارك في الأعمال الإرهابية"، وهي مواد يراها العقيد السابق في المخابرات الجزائرية محمد خلفاوي، هامة للوقاية من خطر الإرهاب ومكافحته التي تظل دائما مبنية على المزاوجة بين الحل الأمني وتوعية الشباب بمخاطر هذه الظاهرة لتجنب الوقوع في فخ التنظيمات المتطرفة، مثلما يقول لـ"العربي الجديد"، "خاصة في وقت صار فيه التجنيد يتم عبر الإنترنت".