صائدو النيازك... نهب "ثروة الفضاء" في عُمان

صائدو النيازك في عُمان... مهربون يستنزفون المخزون الجيولوجي النادر

مسقط
خالد السناني
25 مايو 2021
+ الخط -

يرصد الدكتور محمد بن هلال بن ناصر الكندي رئيس مركز استشارات علوم الأرض (يعنى بتخصصات الجيولوجيا والمسوحات الطوبوغرافية)، 2000 نيزك عماني تم الإعلان عن بيعها عبر مواقع التجارة الإلكترونية والمزادات، وهو ما يعد خسارة علمية وجيولوجية وسياحية كبيرة للسلطنة، والتي تعد أراضيها الثانية عالميا من حيث تواجد كمية النيازك، بعد القطب المتجمد الشمالي.

ولا تستطيع الجهات المختصة المطالبة بتلك القطع النيزكية الهامة، لكونها خرجت من عمان قبل صدور تشريع يمنع نقلها واقتنائها، وحاليا يمتلكها عدد كبير من الاشخاص والجهات وتباع في دول تسمح ببيع النيازك كما يضيف الكندي.

والنيازك هي أجسام صلبة تتكون من الصخر الذي تشكّل في أحد الأجرام السماوية التابعة للنظام الشمسيّ، ومصدرها الأساسي من الكوكيبات، وعندما يخترق النيزك الغلاف الجوي يصبح اسمه شهاباً، وفي حال اصطدامه بسطح الأرض يصبح اسمه حجراً نيزكياً، وتسقط النيازك على الأرض عندما يتقاطع مدارها حول الشمس مع مدار الأرض وتقع تحت تأثير جاذبيتها، وتتراوح كتلتها التي تصل إلى الأرض ما بين أقل من غرام إلى عشرات الأطنان، ويصل حجم بعض النيازك التي تم العثور عليها في السلطنة إلى 200 كيلوغرام، بحسب ما جاء على موقع وزارة الإعلام العمانية، وعُثر على 1439 نيزكًا خلال الفترة من 1999 وحتى 2004، بحسب ما تحصيه دراسة "النيازك العُمانية"، والتي أعدها البروفسيور إدوين جنوس وزميله الدكتور بيدا هوفمان من كلية العلوم بجامعة برن السويسرية في عام 2006.

ويبلغ إجمالي عدد النيازك التي تم العثور عليها وتوثيق بياناتها في عمان، 4335 نيزكا، منها 1300 نيزك عمل عليها الفريق العماني السويسري، وفق قاعدة بيانات جمعية النيازك العالمية (IMCA مؤسسة غير ربحية تأسست في أميركا عام 1933 لنشر بيانات النيازك المصنفة)، بينما تحصي وزارة التراث والسياحة العمانية (جرى نقل اختصاص الحفاظ على التراث الجيولوجي إليها بموجب المرسوم السلطاني رقم 37/2019)، إجمالي عدد القطع النيزكية التي تمتلكها السلطنة بخمسة آلاف، وفق ما جاء في ردها المكتوب على أسئلة "العربي الجديد"، مؤكدة أن جوانب الاستفادة من النيازك تتركز في "النواحي العلمية والبحثية، إذ تقدم للباحثين فرصة لمعرفة تاريخ الأرض وبدايات الحياة فيها، بالإضافة إلى دعم البحث العلمي والدراسات والأبحاث المرتبطة بتكوين النظام الشمسي". 

 

استنزاف المخزون الجيولوجي

وتنتمي النيازك التي تم العثور عليها في السلطنة إلى ما يعرف بـ"النيازك الكندراتية المتفرعة عن النيازك الحجرية"، ومصدرها حزام الكويكبات بين المريخ والمشتري، كما تم العثور على بعض القطع النادرة، والتي يعود أصلها إلى المريخ والقمر، ويؤكد البروفيسور أحمد بن ظفار الرواس عميد كلية العلوم بجامعة السلطان قابوس، استمرار تهريب النيازك من سلطنة عمان، ما يشكل استنزافا لهذا المخزون الجيولوجي النادر، وتابع: "منذ عام 1999 نشط "صائدو نيازك" من الهواة وعلماء الجيولوجيا في مختلف نواحي السلطنة وخاصة في محافظة الوسطى، بحثا عن هذه الثروات النادرة، وبالفعل استطاعوا الاستحواذ على ما يقدر بـ 85% من مجموع القطع المريخية والقمرية النادرة، والتي تم تهريبها برا وجوا".

يتفق معه الدكتور الكندي، مؤكدا أن صائدي نيازك، أغلبهم من روسيا وأميركا، توافدوا إلى سلطنة عمان بعدما نشرت مجلة Meteoritical Bulletin الأميركية في عددها رقم 84 الصادر في أغسطس/آب 2000، تقريرا عن العثور على 39 نيزكا في سلطنة عُمان خلال عامي 1999 و2000.

لكن خروج النيازك من السلطنة يعود إلى فترة مبكرة، إذ عثر خبراء جيولوجيا من العاملين البريطانيين في شركات النفط على قطع نيزكية مهمة، ونقلوها إلى لندن في خمسينيات القرن الماضي، وفق قوله.

الصورة
نيازك 1

ومن بين أشهر صائدي النيازك العمانية، الأميركي مايك فارمر، المهتم بعلوم الجيولوجيا، والذي زار سلطنة عمان نهاية عام 2011 لجمع النيازك من محافظة ظفار، كما يقول لـ"العربي الجديد"، واصفا تجربته بـ"الممتعة" على الرغم من المخاطر الكبيرة التي مر بها، لكن الأمر يستحق العناء، فعمان تزخر بالكثير من النيازك النادرة، والتي لا توجد في أي مكان آخر بالعالم، مضيفا: "استطعت جمع العديد من النيازك القمرية (Dhofar 1180 Lunar Meteorite - Oman) من صحراء جنوب عُمان، لكن انتهى بي المطاف في السجن لمدة شهرين ومصادرة ما عثرت عليه، وترحيلي من السلطنة".

اعتراف رسمي بالظاهرة

تقر وزارة التراث والسياحة العمانية في ردها على أسئلة "العربي الجديد"، بوجود عمليات تهريب للنيازك من السلطنة، إذ تم ضبط مهربين أو ما يعرف بصائدي النيازك من مختلف الجنسيات ممن حازوا قطعا نيزكية عمانية من خلال عمليات بحث غير مشروعة تمت بعد دخولهم السلطنة بتأشيرات سياحية، وتمت إحالتهم للقضاء ومصادرة ما جمعوه.  

واستغل صائدو النيازك عدم وجود قانون يجرم حيازة النيازك والبحث عنها دون تصريح رسمي خلال العقود الماضية، وفق خليفة بن مرهون الرحبي، أمين سر جمعية المحامين، وعضو هيئة التدريس الزائر بجامعة السلطان قابوس، مؤكدا لـ"العربي الجديد" أن المشرع العماني تنبه إلى ذلك الفراغ التشريعي، وهو ما تصدى له قانون التراث الثقافي الصادر بموجب المرسوم السلطاني رقم 35/2019، و"يعدّ أي جزء أو قطعة من نيزك تراثا ثقافيا منقولا تنطبق عليه أحكام قانون التراث الثقافي" بحسب المادة 8  من القانون الصادر في مايو/أيار من عام 2019، ونصت المادة 74 على أنه "يعاقب كل من يضبط في حوزته تراث ثقافي بطريقة غير مشروعة بالسجن لمدة لا تقل عن شهر واحد، ولا تزيد عن ثلاثة أشهر، وبغرامة لا تقل عن خمسمائة ريال عماني (1299 دولارا أميركيا)، ولا تزيد عن عشرة آلاف ريال (25974 دولارا)، أو بإحدى هاتين العقوبتين". 

كما صدر المرسوم السلطاني السامي رقم 19 /2019 الخاص بقانون الثروة المعدنية والذي جرم حيازة أحجار النيازك دون ترخيص رسمي أو موافقة من السلطات المختصة وبحسب ما جاء في المادة 27 من القانون، :"فإنه يلتزم المرخص له في حالة العثور على أحجار النيازك أو أحافير أو آثار تاريخية أو ظواهر جيولوجية نادرة أو اكتشافه موارد طبيعية غير خاضعة لأحكام هذا القانون بإيقاف الاعمال وإبلاغ الهيئة فورا لاتخاذ اللازم". 

ويعتبر الرحبي أن عقوبة جريمة تهريب النيازك من السلطنة رادعة، قائلا: "بعد صدور المرسومين تعاونت الجهات المعنية بشكل واضح مع شرطة عمان السلطانية للبحث عن كل من يحوز أحجار النيازك ويتاجر بها، وتقديم كل من يثبت تورطه في ذلك للسلطات القضائية، سواء كان مواطنا عمانيا أو من جنسيات أخرى". 

تهريب النيازك العمانية جورا وبرا

قيمة علمية ومادية كبيرة

تشكل النيازك التي تم العثور عليها في عُمان ما نسبته 4.8% من النيازك التي سقطت على كوكب الأرض، حسب الدكتور الكندي، والذي يشير إلى أن مناطق تواجد النيازك تتركز في أجزاء من محافظتي ظفار والوسطى، والتي تحدها رمال الربع الخالي من جهة الغرب والسواحل الصخرية لبحر العرب من الجهة الشرقية والسهول الفيضية المتاخمة لجبال الحجر شمال السلطنة، وتتكون تلك المنطقة من الصخور الجيرية والتربة ذات اللون الفاتح، مما يُسهِّل من العثور على النيازك ذات اللون الداكن، فضلا عن تميز المنطقة بكونها مستوية وشبه خالية من التضاريس الجبلية، الأمر الذي نتج عنه ثبات النيازك في مواقع سقوطها وعدم انجرافها بسبب عوامل التعرية، متوقعا سقوط ما بين 11 إلى 36 نيزكا سنوياً على مساحة البلاد،  مشيرا إلى أن أكثر المواقع التي تنتشر فيها النيازك التي سقطت في السلطنة هي جدة الحراسيس وظفار وشصر ورملة سحمة ورملة وهيبة.

وتصنف النيازك إلى متمايزة، وتمثل 6% من المجموع الكلي للنيازك العمانية، وهي من الأنواع النادرة وذات قيمة علمية ومادية، وفق ما يوضحه البروفيسور أحمد بن ظفار الرواس عميد كلية العلوم بجامعة السلطان قابوس قائلا: "سعر  الغرام من نيزك قمري نادر يصل إلى 10 آلاف دولار، والنيزك المريخي قد يصل الغرام منه إلى 5 آلاف دولار". وتشمل النيازك المتمايزة، الحديدية ويعتقد أن معظمها يأتي من لب الكويكبات التي ذابت في وقت مبكر من تاريخها، وتتكون من معدن الحديد والنيكل وكميات صغيرة من مركبات الكبريتيد والكربيد، وتحتوي النيازك الصخرية الحديدية على كميات متساوية من بلورات الحديد والنيكل والسيليكات، مؤكدا على وجود مجموعتين صغيرتين من النيازك المكتشفة إحداهما قمرية، وتشبه الصخور التي جلبت إلى الأرض عن طريق برامج أبولو ولونا، والمجموعة الأخرى من المريخ.

وتمثل النيازك غير المتمايزة (كوندريت) حوالي 94% من النيازك التي سقطت على أراضي السلطنة، وتحتوي على جسيمات صغيرة مستديرة تدعى كوندرول يتكون معظمها من معادن السيليكات، ويعتقد أنها تمثل المواد القادمة من حزام الكويكبات وتعتبر اللبنات الأساسية للكواكب، حسب الرواس.

وتلعب النيازك العمانية دورا مهما في الدراسات العلمية الجيولوجية دوليا، وفق إفادة الدكتورة، مايا موسى مدير قسم البحوث بمؤسسة الخليج للأحجار الكريمة (مؤسسة خاصة للفحص المختبري للأحجار الكريمة والبحوث الجيولوجية)، مؤكدة لـ"العربي الجديد" على وجود تعاون سويسري عماني مستمر للكشف عن النيازك التي تسقط في عمان، مما يساهم في تسليط الاهتمام الدولي عليها ويمثل دعاية سياحية جيدة للسلطنة، وأحدث اتفاقيات هذا التعاون تمت في فبراير/شباط 2020، إذ وقعت وزارة التراث والثقافة العمانية ومتحف برن السويسري للتاريخ الطبيعي، اتفاقية مسح وتوثيق ودراسة النيازك.

وتعمل الوزارة على مشروع بالتعاون مع فريق علمي من متحف برن وفريق تقني من جامعة واريك الأسترالية لإطلاق شبكة رصد ومراقبة سقوط النيازك، "وهو مشروع طموح سيتيح توثيق سقوط النيازك لحظة دخولها الغلاف الجوي للسلطنة، إذ لم يتم حتى اللحظة تسجيل نيازك بتاريخ سقوط دقيق" بحسب رد الوزارة على "العربي الجديد". 

جهود حكومية

باشرت وزارة التراث والسياحة الدفع بجهود الحفاظ على النيازك العمانية من التهريب، إذ قامت بجمع القطع المحفوظة في كافة الجهات الرسمية السابقة عبر مختلف محافظات السلطنة كخطوة أولى للبدء في عمليات الفرز والتصنيف، بحسب الوزارة، التي أكدت في ردها على وجود قطع نيزكية في متحف التاريخ الطبيعي بمدينة برن، وتعد عينات فقط من نيازك موجودة في عمان وتحتفظ الوزارة بالجانب الأكبر في مخزن معد لذلك، وما ترسله يعد أجزاء صغيرة منها، بغرض التصنيف والتوثيق والبحث العلمي، مشيرة إلى أن الدفعة الأولى التي تسلمتها من هذه العينات عددها 68 قطعة تم الانتهاء من الدراسات العلمية والتوثيق الخاص بها، وهناك تنسيق لإعادة كافة النيازك العمانية قريبا. 

لكن البروفيسور الرواس يشدد على أن عودة القطع النيزكية من المتحف الطبيعي وجامعة برن تحتاج إلى توفير أماكن تخزين خاصة لتحافظ عليها، قائلا: "لا بد من إنشاء متحف متخصص في النيازك وأماكن تخزين على أعلى مستوى في سلطنة عمان". ويرد الدكتور الكندي، مؤكدا أن العمل جار على إنشاء متحف "عمان عبر الزمان" بالقرب من حصن الشموخ في ولاية نزوى التابعة لمحافظة الداخلية جنوب عمان، ومن بين أقسامه ركن مخصصص لعرض النيازك.

ذات صلة

الصورة
السلطنة 1

تحقيقات

تروّج حسابات على تطبيقات التواصل الاجتماعي في سلطنة عمان لمستحضرات عشبية غير مرخصة على أنها علاج فعال للأمراض المزمنة، لكن الأخطر هو ثبوت احتوائها على مواد كيمائية ومحظورة ومعادن سامة وفق ما يكشفه التحقيق
الصورة
أنشطة جائرة للكسارات في سلطنة عمان

تحقيقات

يخالف قرب موقع الكسارات من المساكن قانون الثروة المعدنية العماني، والذي حدد المسافة الفاصلة بين المواقع التي توجد بها خامات والمناطق السكنية بـ6 كيلومترات، لكن بعضها يقع على بعد يقل عن كيلومتر واحد، ما أدى إلى تضرر البيئة ومعاناة الأهالي من الأمراض.
الصورة

منوعات وميديا

كادت قرية وادي المر العمانية تختفي بالكامل قبل 30 عاماً، بعدما طمستها الرمال، ما دفع السكان إلى تركها، لكنها تستقطب حالياً أعداداً من قاطنيها السابقين والزوار الفضوليين الراغبين في إعادة اكتشاف المنطقة الواقعة في قلب الصحراء.
الصورة
مايك بومبيو في سلطنة عمان-تويتر

أخبار

أعلن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، اليوم الخميس، وصوله إلى سلطنة عمان، ضمن جولته في المنطقة.