ذهب عُمان الأبيض... تدهور إنتاج لبان ظفار ومخاوف من الانقراض

04 سبتمبر 2018
الصورة
اللبان العُماني مميّز بسبب الظروف الجغرافية والمناخية (Getty)

يتحدّى السبعيني العُماني مسلم بن سعيد بن علي غواص رفاقه من الشباب بقدرته على العمل من دون كلل في مواقع جمع محصول اللبان، على الرغم مما يتطلّبه العمل من جهد منذ الصباح الباكر وحتى المساء، في ظل صعوبة الوصول إلى أماكن أشجار اللبان البرية ذات الجودة العالية التي يُطلق على منتجها الذهب الأبيض، إذ يبلغ متوسط سعر الكيلوغرام من اللبان 39 دولاراً، كما يقول بينما يمسك طاسة معدنية وأداة العمل المسمّاة بـ"المنقف".

ويجمع غواص اللبان منذ كان في الـ 16 من عمره، عبر جرح سيقان وأفرع الشجرة حتى يحصل على كمية تراوح بين 7 و10 كيلوغرامات من كل شجرة، لكن الإنتاج لم يعد كما كان في السابق، بحسب ما يقول مدير مشروع استدامة محصول اللبان بجمعية البيئة العُمانية (مؤسسة أهلية غير ربحية) الدكتور محسن العامري، الذي يخشى من انقراض أشجار اللبان المهددة بالرعي الجائر في محافظة ظفار التي تنمو فيها الأشجار جنوبي سلطنة عُمان، بالإضافة إلى استمرار العمالة غير المؤهلة للتعامل مع الأشجار، خاصة أثناء مرحلة جني اللبان التي تتم عبر تجريح الأشجار، كون هذه العملية تحتاج إلى مهارة فنية ويد خبيرة، كما يقول لـ"العربي الجديد".

يحتوي اللبان على مادة الكورتيزون الطبيعية المثبطة للالتهابات التي تستخدم في صناعة الدواء وتتسم بكونها ليست لها أضرار جانبية مثل النوع الصناعي، كذلك له استعمالات في تصنيع الزيوت والمساحيق والعطور وأخرى غذائية، إذ يتميّز النوع العُماني بجودته العالية على مستوى العالم، نتيجة للظروف الجغرافية والمناخية لظفار، ما جعله يشكّل 75% من دخل البلاد في الماضي، لكنه تراجع بشكل ملحوظ في السنوات العشر الأخيرة، بعد أن كان الإنتاج يتراوح بين 5 إلى 6 آلاف طن سنوياً.



تراجع كثافة الأشجار

مخاوف العامري لها ما يبررها، إذ تراجعت كثافة أشجار اللبان في محمية جبل سمحان الواقعة في الجزء الشرقي من سلسلة جبال ظفار بنسبة 85% خلال الـ 13 عاماً الماضية، وفقاً لدراسة "التقييم البيئي المتكامل لتجمعات أشجار اللُبان في محمية جبل سمحان بسلطنة عُمان" التي أعلن نتائجها الباحث العُماني علي بن سالم سعيد، بالتعاون مع كل من الدكتورة أسماء علي أبا حسين، ومحمد سليمان عبيدو من جامعة الخليج العربي بمملكة البحرين، وهشام عبد المنصف من جامعة السويس بجمهورية مصر العربية في فبراير/ شباط من عام 2015.

وتنتمي شجرة اللبان إلى الفصيلة النباتية المعروفة بـ Boswellia sacra، التي تنمو في جنوب شبه الجزيرة العربية، وخاصة في ظفار في عُمان، حيث المناخ الرطب والتربة الكلسية على طول حزام يمتدّ بالتوازي مع الساحل وينتهي بمحاذاة خليج خوريا موريا، وفي هذا النطاق الممتد من الغرب إلى الشرق تنبت أشجار اللبان، وأجود أنواع لبان ظفار هو ما تنتجه المنطقة الجنوبية الشرقية، وخاصة شمالي جبال سمحان، كذلك تقل الجودة في المنتوج كلما اتجهنا غرباً، وهذا يرجع إلى تأثير المناخ، فالأشجار القريبة من مناطق المطر تكون أقل جودة من الأشجار البعيدة عنها، كما أوضح الدكتور العامري الذي يعمل باحثاً زراعياً في المديرية العامة للبحوث الزراعية بوزارة الزراعة والثروة السمكية.


ثروة قومية مهملة

يصف العامري شجرة اللبان بـ "الثروة القومية المهملة"، ويقرّ رئيس قسم الغابات والمراعي في وزارة الزراعة والثروة السمكية أحمد غواص، بوجود نقص كبير في أشجار اللبان، مؤكداً لـ"العربي الجديد": "إن جمع اللبان يتم بواسطة عمالة وافدة، أغلبها صوماليون، دخلوا إلى البلاد بطريقة غير شرعية"، غير أنه لا يمانع توظيف عمالة وافدة ذات خبرة، شريطة أن تكون بطريقة منظمة، وتحت إشراف عُمانيين، مضيفاً أن الخطوة الأولى في جرح لحاء الشجرة في أماكن مختلفة تتم في أحيان كثيرة بطريقة خاطئة، ما يؤثر على الشجرة وإنتاجها المستقبلي، الأمر الذي أدّى إلى عدم إنتاج بعض الأشجار تماماً، وبعضها ينتج، ولكن بشكل متوسط، لكن بعضها لم يعد ينتج غير كيلوغرام واحد، كما لفت العامري.

تبدأ العملية الأولى لجرح الشجرة، وتسمّى "‏‏التوقيع"، في موسمين؛ الأول يبدأ من مارس/ آذار حتى نهاية يونيو/ حزيران، والثاني من سبتمبر/ أيلول وينتهي في نوفمبر/ تشرين الثاني من كل عام، بحسب مسلم غواص، الذي لفت إلى أن العملية الأولى لجرح الشجرة ينتج عنها سائل ‏لزج لبني اللون، سرعان ما يتجمّد، فيتركونه لمدة 14 يوماً، وتتبعها عملية ‏التجريح الثانية، ويبدأ الجمع الحقيقي بعد أسبوعين من التجريح الثاني، إذ يتم نقر الشجرة للمرة ‏الثالثة، بعدها ينضج السائل اللبني ذو النوعية الجيدة، مكوّناً مادة صمغية هي "اللبان".



أسباب تراجع الإنتاج

تؤكد دراسة استدامة جني أشجار اللبان "تأثير الجني على التزهير والثمار ونمو البذور"، الصادرة في سبتمبر/ أيلول 2017 عن جمعية البيئة العُمانية للدكتور محسن العامري، أن معدل كثافة الأشجار في الهكتار الواحد (10 آلاف متر مربع) يتراوح بين شجرة واحدة حتى 300 شجرة في حده الأقصى، وتقدر المساحة التي تنمو فيها أشجار اللبان بشكل طبيعي، بدون تدخل الإنسان على الحواف المتأثرة بالأمطار الموسمية في ظفار، بحوالي 4 آلاف كيلومتر مربع، بحسب العامري.

وحددت الدراسة العلاقة بين طرق جني اللبان وبين حياة الشجرة وصحتها، عبر تجربة ميدانية في أربعة مواقع بظفار، وتوصلت إلى أنه من أصل 45 شجرة جرى تطبيق الدراسة والتجارب عليها، تعرضت ست منها للموت، بسبب التجريح الجائر وبعض آخر منها لأسباب طبيعية بحتة إلى جانب الرعي الجائر وانتشار الكسارات والمحاجر ضمن نطاق نمو اللبان.

ويعتقد 32% من السكان الذين شملتهم دارسة "التقييم البيئي المتكامل لتجمعات أشجار اللُبَّان" في ظفار أن تدهور أشجار اللبان يعود إلى طريقة الجرح، بينما يحمَل 25% من المستطلعة آراؤهم الجرح المتكرر للأشجار سبب التدهور، ويرى 9% أن الأمر يعود للرعي الجائر.


غياب حراس اللبان

عزف العُمانيون الذين يمتلكون مهارة وخبرة في جمع اللبان عن العمل في المهنة التي تركت للوافدين، كون عملية جمع اللبان شاقة ومتعبة جداً وتحتاج إلى صبر، بحسب أحمد غواص، الذي استدرك قائلاً "أنا مجرب بنفسي، عندما كنت أرافق الوالد في الصغر، كنت أتعب وأتضجر، خصوصاً أن أشجار اللبان تكون في مواقع صعبة وبعيدة"، ولم يعد للبان حراس كما كان في الماضي، بحسب مسلم غواص، الذي أوضح أن الحراس أشخاص كان يتم استئجارهم من بعض العائلات لحراسة أماكن أشجار اللبان من العابثين والدخلاء على المهنة، وقت كانت لها أهمية كبيرة، قبل أن تُترك للعمالة الوافدة.

وتقوم العمالة الوافدة التي تعمل لحسابها بجرح أشجار اللبان وجمعه عبر فرق عمل، كل فريق مكون من 4 إلى 5 أشخاص، وكل شخص في الفريق يختار وادياً للعمل فيه، وبعد جمع كمية لا بأس بها من قبلهم، ينسقون مع أحدهم، فيذهب لبيعه في سوق الحافة الواقع في ولاية صلالة بمحافظة ظفار، بحسب الدكتور العامري، الذي قال إنه لم يتبقّ إلا قليل من كبار السن يعملون في مهنة جمع اللبان.


إجراء وزاري لا يكفي

"تعتبر المراعي الطبيعية والمزروعة مملوكة للدولة ومخصصة للنفع العام، وتقوم الوزارة بتحديدها وتنظيم استثمارها والإشراف عليها بالتنسيق مع الجهات المختصة"، بحسب نص المادة 6 من قانون المراعي وإدارة الثروة الحيوانية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 8/2003"، إذ تنص المادة 7 على (1) "إعادة زراعة المراعي المتدهورة وحمايتها من الرعي الجائر، أو الإضرار بتربتها، أو أي ممارسات ضارة أخرى" (2) "تحديد المراعي المزروعة والمحافظة على أشجارها وتنظيم طرق استغلال إنتاجها"، ولكن هذه القوانين غير مفعّلة حتى الآن، بحسب تأكيد أحمد غواص، الأمر الذي يعني غياب الإيمان بأهمية هذه الثروة، ما غيّب الاهتمام بإيجاد حلول لمشاكل أشجار اللبان، كما يقول مسلم غواص.

وعملت وزارة الزراعة على زراعة أشجار اللبان داخل بعض المسورات الرعوية والمشاتل من أجل حفظ الأصول الوراثية للبان العُماني، كذلك أسست مشتلاً لإنتاج البذور، وتوزيع شتلات اللبان للمزارعين والمواطنين والجهات الحكومية والمدارس والجمعيات مجاناً، للمساهمة في حماية واستدامة أشجار اللبان، بحسب أحمد غواص، غير أن العامري يقول إنه لا توجد في الواقع جهة محددة مسؤولة عن شجرة اللبان، لا وزارة الزراعة ولا البيئة، داعياً إلى ضرورة إنشاء مركز للبان، لتوحيد جهود المحافظة على الشجرة، وتسجيل منتجها كعلامة تجارية لحمايته من الغش، وإصدار تراخيص لهذا العمل وتدريب القائمين على هذا الأمر.



محاولات إحياء تجارة اللبان

يتم تسويق اللبان في سوق الحافة بمنطقة صلالة في محافظة ظفار، وفي سوق مطرح ثاني؛ أبرز الأسواق المشهورة وسط العاصمة العُمانية مسقط، إذ خصصت بلدية مسقط 16 محلاً لبيع اللبان ومنتوجاته، ومن بينها محل الثلاثيني محمد بن سالم المهري الذي يبيع: "نوع الحوجري الذكر المستخدم للعلاج بـ 600 ريال عُماني (1560 دولاراً) للجونية التي تحوي 40 كيلوغراماً، أما النوع الثاني فهو الحوجري الذي يُستخدم في تبخير المنازل والملبوسات وكذلك يُمكن مضغه في الفم، وسعر الجونية منه 160 ريالاً عُمانياً (416 دولاراً)".

لكن محاولة أكثر جرأة من الاقتصار على البيع قام بها الدكتور سالم بن سعيد بن عبدالله الوهيبي المدير العام السابق للشؤون الصحية في وزارة الصحة العُمانية، الذي قرّر مع زوجته الدكتورة آمال بنت راشد الأبروية، اختصاصية أمراض الأطفال، إنشاء شركة (أولبان) لتحويل اللبان إلى منتج عصري، وبالفعل بدأت الشركة بواحد وعشرين منتجاً من اللبان، ويخطط لرفعها إلى خمسين منتجاً بنهاية العام الحالي 2018، كما يقول الوهيبي، مضيفاً أن الشركة تحوّلت إلى مؤسسة كبيرة بفضل الإقبال على منتجاتها عالمياً.