كسارات عُمان... نشاط جائر يلوث البيئة ويضر السكان

مسقط
خالد السناني
12 فبراير 2021
+ الخط -

تشقق منزل الثلاثيني العماني خالد بن علي الريسي جراء النشاط الجائر للكسارات، التي تعمل على بعد يقل عن كيلومتر واحد من مسكنه الواقع في قرية الرسة بولاية لوى، في محافظة شمال الباطنة على الساحل الجنوبي لبحر عمان.

وتعمل 8 كسارات للحجارة بالقرب من القرية، وفق ما يقول، مضيفا لـ"العربي الجديد" أن النشاط الجائر للكسارات القريبة من المساكن أدى لإحداث تشققات في جدران 150 منزلا بالقرية.

أنشطة جائرة للكسارات في سلطنة عمان

ويخالف قرب موقع الكسارات من المساكن قانون الثروة المعدنية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 19/2019، والذي حدد المسافة الفاصلة بين المواقع التي توجد بها خامات والمناطق السكنية بـ6 كيلومترات.

لكن لماذا تمنح تراخيص لتلك الكسارات بالمخالفة للقانون؟ يرد المهندس أحمد بن زاهر الهنائي، مدير عام الشؤون البيئية في هيئة البيئة العمانية، قائلا:" التراخيص منحت للكسارات في عامي 2006 و2008، حينها لم توضع اشتراطات تحدد المسافات الفاصلة بين المساكن ومواقع نشاط الكسارات، ولم يحدد ذلك إلا في عام 2012، ولا يمكن سحب التراخيص السابقة".

تأثيرات بيئية ضارة

تتوزع الكسارات على مختلف مناطق السلطنة لتوفير المواد الأولية لمشاريع البنية التحتية والانشاءات والمواد الخام ومواد البناء من طابوق أسمنتي وحراري وخرسانة، والرمل والردميات، وفق ما أوضحه المستثمر ناصر بن علي الجابري والذي يملك عدة كسارات في مواقع عدة بالسلطنة.

لكن عمل تلك الكسارات صاحبته تأثيرات بيئية متمثلة في كشط التربة السطحية في الوديان، ما يؤدي إلى ظهور حفر عميقة معيقة لانسيابية الحركة وتجميع مياه السيول، وتشويه المظاهر السطحية وإزالة النباتات الرعوية، حسب ما يقول سليم بن سعيد بن سالم حمدين العامري، الخبير البيئي ومدير مؤسسة الاتجاهات للاستشارات الجيولوجية والبيئية، لـ"العربي الجديد"، مستدلا بما وثقه في كسارات خام الجبس في منطقة روية جنوب ولاية ثمريت بمحافظة ظفار، في أقصى جنوب السلطنة.

استنتاج العامري يتطابق مع تأكيد يعقوب بن محمد الحارثي، نائب رئيس مجلس الشورى العماني، والذي قال إن الأضرار الناتجة عن أعمال الكسارات في السلطنة تمس الأمن المائي والغذائي للمواطن، كونها تغير مجرى الأودية، الأمر الذي يترتب عليه حرمان العديد من القرى من هذه الثروة الطبيعية، ويؤثر بصورة سلبية على مزارع ومراعي المواطنين.

ويزيد ضرر نشاط الكسارات المخالفة في محافظات "شمال الباطنة، جنوب الباطنة، شمال الشرقية، والداخلية"، بعكس محافظة مسقط التي تعد أقل تأثرا بنشاط الكسارات، نتيجة أعدادها القليلة وجهود الرقابة عليها، حسب تأكيد حمد بن خلفان الوهيبي، عضو المجلس البلدي لمحافظة مسقط، لـ"العربي الجديد".

غياب الرقابة يشجع على المخالفات

"استفحال التجاوزات يدلل على وجود خلل سابق وتداخل في الاختصاصات"، وفق نائب رئيس مجلس الشورى العماني، الذي قال إن بعض التجاوزات يتعلق بالموقع والبعض الآخر باشتراطات النقل، خاصة أن البعض يترك مساحات من الموقع غير مستغلة ويتوسع في جوانب أخرى غير مرخصة للعمل بها، سواء من حيث العمق أو الامتداد، وذلك بهدف عدم استنفاد المشروع وانتهاء التعاقد مع الحكومة، مضيفا أنه تم اغلاق 6 كسارات بعد رفع دعاوى أمام القضاء الإداري الذي حكم بصحة إجراء إغلاق الكسارات. 

ونصت المادة 26 من قانون الثروة المعدنية على أنه يجب على المرخص له اتخاذ جميع الإجراءات التي تكفل التأكد من الالتزام التام بالقوانين والأنظمة المعمول بها في الدولة، وعلى الأخص ما يتعلق بشروط السلامة والصحة العامة، وبمتطلبات حماية البيئة. فيما نصت المادة 30 من ذات القانون على أن "يكون المرخص له مسؤولا مسؤولية كاملة عن الأضرار التي يلحقها نشاطه بالغير، حتى لو وقع الضرر خارج المنطقة المرخص بها، ما دام وقوعه كان نتيجة مزاولته النشاط المرخص به". لكن بعض ملاك الكسارات لا يتقيدون بالاشتراطات القانونية، فضلا عن غياب المسؤولية الاجتماعية، حسب الوهيبي، الذي يطالب بتكثيف الرقابة على أعمال الكسارات منعا لحدوث أي أضرار بيئية.

وألزم القانون رقم 19-2019 ملاك الكسارات دفع عوائد للمجتمع المحلي من الإنتاج، لكنها لم تفعل بسبب عدم صدور اللائحة، مع أن القانون اشترط صدورها في عمر زمني لا يتعدى العام، رغم أن الاستيفاء يجب أن يكون مباشرة بقوة القانون حتى تصدر اللائحة، حسب الحارثي.

لكن المستثمر في قطاع الكسارات عبد الله بن مسلم الراسبي يؤكد أن ملاك الكسارات يؤدون الحق المجتمعي في المحافظات التي تعمل بها ويساهمون في بناء المساجد والمجالس العامة (كانت تعرف بالسبلة واستخدمت سابقا لتجمعات الآباء والأجداد والأبناء والمشايخ، للتناقش والتدارس فيما بينهم، وفي وقتنا الحاضر في المناسبات كالأعراس والعزاء)، وتدعم أعمال الكسارات المدارس والفرق الرياضية الأهلية، وتساعد إدارات البلديات في الولايات، مشيرا إلى أن نسبة مساهمة ملاك الكسارات تتعدى أحيانا 5%. 

وتنص المادة 48 من قانون الثروة المعدنية العماني رقم 19/2019 على أن يؤدي صاحب الامتياز نسبة لا تقل عن (1٪) واحد بالمائة من إجمالي الإنتاج السنوي للخام محل اتفاقية الامتياز، تخصص للمساهمة في تنمية المجتمع المحلي في الولاية الواقعة بها مساحة المنطقة محل اتفاقية الامتياز، وذلك طبقا للإجراءات والضوابط التي تحددها اتفاقية الامتياز.

أنشطة جائرة للكسارات في سلطنة عمان

أضرار صحية

تنص المادة التاسعة من قانون الثروة المعدنية على أنه "يجب على الهيئة التنسيق مع الجهات المختصة بشأن المواقع التي من المحتمل وجود الخامات فيها، وعلى الأخص في المناطق الحدودية التي تبعد عن خط الحدود بمسافة تقل عن ستة كيلومترات، أو التي تقع بالقرب من المواقع العسكرية أو الأمنية أو الحكومية أو الأثرية أو المحميات الطبيعية، وكذلك المواقع التي توجد بها السدود أو الخزانات أو الأفلاج أو خطوط أنابيب البترول والغاز أو شبكات الكهرباء والاتصالات أو المناطق السكنية. وفي جميع الأحوال، تراعي الهيئة متطلبات المحافظة على البيئة والسلامة والصحة العامة". 

لكن المسافة الفاصلة بين مواقع الكسارات ومساكن المواطنين في بعض المناطق غير كافية، لذا تصل الأتربة والغبار إليها، متسببة بانتشار أمراض الجهاز التنفسي بين السكان، وفق تأكيد حمدين. وهو ما يشكو منه الريسي، مؤكدا أن الغبار الناتج عن الكسارات وحركة الشاحنات اليومية تسبب بإصابات ربو بين الأطفال وكبار السن. 

ويخشى أهالي منطقة الرحبة، التابعة لولاية نزوى وسط سلطنة عمان، تكرار ما حدث لأهالي قرية الرسة من تأثيرات صحية، ما جعلهم يوجهون رسائل إلى هيئة البيئة والهيئة العامة للتعدين، للمطالبة بوقف التراخيص لإحدى شركات التعدين التي تسعى لتأسيس كسارة في المنطقة الجبلية والتي تبعد حوالي 700 متر من أقرب منطقة سكنية، وفق ما وثقه معد التحقيق عبر ما نشرته البوابة الإعلامية التابعة لوزارة الإعلام العمانية في إبريل/نيسان 2020.

وتنتكس بعض الحالات المصابة بالربو في حال تعرضت لغبار الكسارات وأتربتها، وفق توضيح الدكتور يعقوب بن سلام المحروقي، استشاري أول أمراض تنفسية في المستشفى السلطاني، قائلا لـ"العربي الجديد":" يظل التعرض للغبار والأتربة عاملاً مهماً في الانتكاسات الصحية لمرضى الربو، إذ يؤثر ذلك على الجهاز التنفسي". وتشكل نسبة المصابين بالربو في عُمان حوالي 7.3% من البالغين و12.7% من الأطفال بحسب التقرير السنوي الصادر عن وزارة الصحة العمانية في نهاية العام 2019، كما يقول المحروقي.

تنظيم القطاع وتطبيق التدابير البيئية

بلغت إيرادات الهيئة العامة للتعدين 19 مليون ريال عماني (49 مليونا و376 ألف دولار أميركي) في عام 2019، وفق الجابري. وتقدم الكسارات خدمة كبيرة للمجتمع والبنية التحتية وتساهم في إنشاء الطرق والمباني، وفق زاهر بن محمد الكعبي، رئيس لجنة التعدين بغرفة تجارة وصناعة عُمان ورئيس مجلس إدارة الغرفة بمحافظة البريمي، والذي قال لـ"العربي الجديد" إن السوق المحلي يستهلك ما بين 3% و5% من الطاقة الإنتاجية للكسارات، مضيفا أن المرخص له ملزم بتأدية إيجارات سنوية مستحقة عن المساحة محل الترخيص لا تقل عن 5% من إجمالي الإنتاج السنوي للخام الذي يستغله، تؤول لهيئة التعدين، وتورد إلى الخزانة العامة للدولة، كما يؤدي نسبة 1% من إجمالي الإنتاج السنوي للخام الذي يستغله، تخصص للمساهمة في تنمية المجتمع المحلي في الولاية الواقعة بها مساحة الاستغلال، فضلا عن رسوم التصدير والتي يصفها بالعالية، خاصة أنه يؤديها إلى جانب المبالغ السابقة، لكنه يأمل القضاء على التجاوزات وإحداث نقلة مهمة في تنظيم القطاع وإجراء التسهيلات ومراجعة إجراءات أعمالها، بما يتناسب مع التوجه الحكومي والمستثمرين والصالح العام. 

وللحد من الأضرار الصحية، يؤكد المهندس العامري أهمية متابعة وإلزام أصحاب الكسارات بتركيب فلتر تجميع الغبار الناتج عن عمليات التكسير وحركة النقل، للتقليل أو منع تطاير الغبار بطول خط الانتاج، مع تركيب نظم رش بالماء لكبح الغبار، والحرص على القيام برش بيئة الكسارة لمنع تصاعد الغبار أثناء حركة الشاحنات في الموقع، ما قد يخفف من الأضرار الصحية التي يعاني منها الأهالي ويحافظ على البيئة.

ذات صلة

الصورة

منوعات وميديا

كادت قرية وادي المر العمانية تختفي بالكامل قبل 30 عاماً، بعدما طمستها الرمال، ما دفع السكان إلى تركها، لكنها تستقطب حالياً أعداداً من قاطنيها السابقين والزوار الفضوليين الراغبين في إعادة اكتشاف المنطقة الواقعة في قلب الصحراء.
الصورة
مايك بومبيو في سلطنة عمان-تويتر

أخبار

أعلن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، اليوم الخميس، وصوله إلى سلطنة عمان، ضمن جولته في المنطقة.
الصورة

سياسة

يبدو أن المسار التطبيعي بين دول عربية والاحتلال الإسرائيلي لن يتوقف عند الإمارات، وهو ما تبدّى في تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب "عن أشياء مثيرة تجري مع دول أخرى، وهي مرتبطة باتفاقات سلام"، وتعزز بعد ترحيب البحرين وسلطنة عمان بإشهار التحالف.
الصورة
علم الإمارات في تل أبيب/التطبيع مع إسرائيل-جاك غويز/فرانس برس

سياسة

أكد مصدر إسرائيلي رفيع المستوى لهيئة الإذاعة الإسرائيلية، "كان" أنه "يتوقع أن تكون دولة البحرين الدولة المقبلة التي ستعلن إقامة علاقات رسمية مع دولة إسرائيل".