تأميم الإنترنت في إيران... مشروع عملاق من دون أفق واضح

14 فبراير 2021
الصورة
تظهر على الشاشة رسالة تفيد بأن الموقع محظور من الحكومة (Getty)
+ الخط -

طرحت فكرة "تأميم الإنترنت" في إيران للمرة الأولى قبل 15 عاما، وحتى اليوم تحظى بدعم واضح من المرشد الأعلى، على عكس ما يراه مختصون تقنيون يرفضون معدلات الإنجاز المعلن عنها للمشروع استناداً إلى التحديات التقنية.

-في عام 2005 طرحت فكرة "تأميم الإنترنت" للمرة الأولى في إيران، إذ تحدث وقتها نائب وزير الاتصالات لتقنية المعلومات، في حكومة محمود أحمدي نجاد، عبدالمجيد رياضي، عما سماه "شبكة الإنترنت الوطنية"، ثم بدأت الوزارة في إعداد مشروع بهذا الشأن انتهت منه في عام 2009، لتتحول الفكرة لاحقا إلى أضخم مشروع إلكتروني في إيران، بحسب وصف موقع "بايداري ملي" التابع لمنظمة الدفاع السلبي (هيئة شبه عسكرية مسؤولة عن تعزيز مرونة البنية التحتية الوطنية في إيران)، وبالفعل أدرجت الحكومة المشروع بعنوان "الشبكة الوطنية للمعلومات" ضمن قانون البرنامج التنموي الخامس، والذي كلفت مادته السادسة والأربعون، وزارة الاتصالات، بإيجاد وتطوير الشبكة على أن تربط بها جميع الأجهزة التنفيذية والمؤسسات الحكومية التابعة لها و60 في المائة من الأسر الإيرانية بنهاية عام 2012، وفق ما وثّقه معد التحقيق عبر موقع مركز البحوث التابع للبرلمان الإيراني. 

الحرب السيبرانية 

حدد البرنامج التنموي السادس، والمقر عام 2016، عام 2021 لإنجاز المشروع، وفق لصحيفة "تعادل" الإصلاحية، لكن تحقيق الهدف حتى العام المقبل لا يبدو ممكنا، إذ كشف رسول جليلي عضو المجلس الأعلى للفضاء الافتراضي، في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2020 للقناة الثانية الإيرانية، أن مستوى تنفيذ المشروع يصل إلى نحو 50 في المائة. 

ويمكن تقسيم الدوافع التي تقف وراء المشروع إلى عدة أنواع منها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والأمنية، بحسب ما جاء على قسم تقنية المعلومات بموقع وزارة الاتصالات الإيرانية، والذي يرى أن المشروع مهم "لتطوير التجارة وتعميم الخدمات الإلكترونية في أنحاء البلاد وإنتاج مضامين إيرانية إسلامية وتأمين المعلومات وتقليل الاعتماد على شبكة الإنترنت العالمية وتوفير الإنترنت الرخيص وتقليل الإنفاق بالنقد الأجنبي". 

وتتعرض إيران لـ"50 ألف هجوم سيبراني يوميا ونحو 8 هجمات إلكترونية جادة سنويا"، بحسب تصريح رئيس منظمة الدفاع المدني، العميد غلامرضا جلالي. وتقف الحرب السيبرانية التي تدور رحاها بين إيران وأميركا وإسرائيل وراء أبرز دوافع المشروع، والتي أطلق شرارتها فيروس "ستاكس نت" المصنف على أنه أخطر فيروس عسكري، بعدما استهدف عام 2010 منشأة "نطنز" النووية الأكبر في تخصيب اليورانيوم ومفاعل "بوشهر" النووي، ليتسبب الفيروس في مشاكل لأجهزة الطرد المركزي في "نطنز"، كما قال الرئيس الإيراني، أحمدي نجاد، في نوفمبر 2010، حسب وكالة "إرنا" الإيرانية الرسمية. 

وكان أكبر تلك الهجمات ما وقع يوم 9 فبراير/شباط 2020، مستهدفا البنى التحتية في البلاد، وفق ما أعلنه مساعد وزير الاتصالات الإيراني، حميد فتاحي قائلا على "تويتر"، قائلا إن "القراصنة حاولوا تنفيذ أكبر هجوم لاستهداف ملايين الأهداف، والإضرار بشبكة الإنترنت من خلال هجوم من نوع SYN FLOOD بمعدل مليون PPS"،(هجوم يتم عبر تحميل ضغط أكثر من الحد الطبيعي على معدات الشبكة لتعطيلها). وجاءت الهجمات من شرق آسيا وشمال أميركا، وفق شركة اتصالات البنية التحتية الإيرانية الحكومية، وتسببت الهجمات بانقطاع الإنترنت في إيران بنسبة 75 في المائة، وفق لمؤسسة "نت بلوكس" غير الحكومية المعنية بمراقبة أمن الشبكات.

 

انتقادات المرشد الأعلى 

تنظر الجمهورية الإسلامية إلى الفضاء الإلكتروني باعتباره "تهديدا ومصدر فتنة"، كما قال العميد محمد رضا نقدي قائد التنسيق في "الحرس الثوري" الإيراني، في ديسمبر/كانون الأول 2019، مضيفا حسب ما أوردت وكالة "سباه نيوز" التابعة للحرس، أن "الفتنة التي يمكن أن تهدد البلاد مستقبلا هي في الفضاء الافتراضي من خلال العمليات النفسية والدعائية والإغراءات والإثارة. ما لم نؤسس الشبكة الوطنية للمعلومات، فلن نبقى في أمان من هذه الفتنة"، كما أن "انتشار شبكات التواصل الاجتماعي الأجنبية يشكل تحديدات متعددة سيادية وأمنية وقانونية واقتصادية" بحسب تصريح رئيس منظمة الدفاع السلبي، لموقع "بايداري ملي" التابع للمنظمة، في 26 سبتمبر/أيلول 2020. 

الصورة
تحقيق إيران 3

وفي ظل هذه المعطيات، تشكل إدارة الفضاء الافتراضي والسيطرة على محتواه أحد أهم أهداف تأميم الإنترنت، إذ خاطب المرشد الإيراني الأعلى، علي خامنئي، أعضاء المجلس الأعلى للفضاء الافتراضي في 26 أغسطس/آب الماضي، قائلا إن هذا الفضاء "يُدار في الخارج من دون إرادتنا. ولذلك أنا أؤكد كل التأكيد على مسألة الشبكة الوطنية للمعلومات. لا يمكن ترك هذه المسألة، لكنني أرى أنه لا يُولى لها الاهتمام الكافي". 

ما يدفع إيران أكثر تجاه بناء شبكتها الإلكترونية الخاصة هو فشل سياسة حظر مواقع التواصل الاجتماعي خلال السنوات الماضية، فعلى سبيل المثال، تظهر بيانات مركز "إيسبا" التابع لمنظمة الجهاد الجامعي الحكومية الإيراني خلال مارس/ آذار عام 2019، أن 55.9 في المائة من سكان إيران، البالغ عددهم 81 مليون نسمة، يستخدمون تطبيق "تيليغرام" المحظور مطلع مايو/ أيار من عام 2018، من خلال برامج فك التشفير. علما بأن أبرز المنصات المحظورة الأخرى هي "فيسبوك" و"تويتر" ومواقع وسائل إعلام أجنبية ناطقة بالفارسية، مثل موقع قناة "بي بي سي". 

 تظهر على الشاشة رسالة تفيد بأن الموقع محظور من الحكومة

وركزت السلطات الإيرانية أكثر على بناء الشبكة الوطنية للمعلومات، بعد الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد عام 2009 وظهور "الحركة الخضراء" المعارضة على خلفية الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها الرئيس المحافظ محمود أحمدي نجاد. فضلا عن أن زيادة الاهتمام بهذا المشروع خلال السنوات الأخيرة، كانت مدفوعة بأمرين، الأول هو مخاوف إيرانية متزايدة خلال هذه السنوات من أن تطاول العقوبات الأميركية شبكة الإنترنت وتقطعها عن إيران بعدما شملت شركات إيرانية ناشطة في مجال التقنيات، مثل شركة "الصناعات الإلكترونية" التابعة لوزارة الدفاع ومنظمة تقنية المعلومات التابعة لوزارة الاتصالات، يوم 10 أغسطس 2019، وفق موقع الخزانة الأميركية وحذفت متاجر إلكترونية مثل "أبل ستور" تطبيقات إيرانية، حسب ما نقلت وكالة "ميزان" التابعة للسلطة القضائية الإيرانية عن وزير الاتصالات الإيراني، محمد جواد جهرمي، في 6 سبتمبر/أيلول الماضي. 

والأمر الثاني هو الاحتجاجات الاقتصادية التي شهدتها البلاد خلال الأعوام الأخيرة على خلفية تردي الوضع المعيشي جراء العقوبات الأميركية. وكان أوسع هذه الاحتجاجات تلك التي وقعت خلال نوفمبر/تشرين الثاني 2019 على خلفية رفع أسعار البنزين ثلاثة أضعاف. وبعد اندلاعها يوم الخامس عشر من الشهر، قطعت السلطات الإيرانية الإنترنت الدولي لأسبوع تقريبا، لكن خلال هذه الفترة كان يمكن الوصول إلى وكالات أنباء ومواقع داخلية وتطبيقات إيرانية، مثل وكالة "فارس" للأنباء المحافظة، وموقع الرئاسة الإيرانية، وبرنامج "كافة بازار" المحلي والذي يحتوي على برامج وتطبيقات افتراضية كانت متصلة بسيرفرات محلية في إطار الشبكة الوطنية للمعلومات وهو ما أثار مخاوف في الشارع الإيراني من أن يكون هذا الانقطاع مقدمة لاستبدال الإنترنت الدولي بالشبكة الوطنية، إلا أن وزير الاتصالات الإيراني محمد جواد آذري جهرمي أكد أن الشبكة "لا تتعارض مع الإنترنت" الدولي، مضيفا في تصريحات صحافية في 28 نوفمبر 2019 أن "التصور بقطع الإنترنت الدولي بعد تشغيل الشبكة خاطئ من الأساس"، حسب ما أورده موقع نادي "المراسلين الشباب" التابع لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيراني.

تحديات تقنية 

يرى خبراء إيرانيون أن البلاد لا تمتلك القدرات البنيوية الكافية لتوفير الإنترنت البديل، إذ أكد الخبير الإعلامي التقني حسن معظمي لصحيفة "آفتاب يزد" الإصلاحية، في سبتمبر الماضي، أن "إيران لا تمتلك البنية التحتية اللازمة لهذا العمل وبكل تأكيد إذا لم تتوفر هذه البنية، ولم يتم إجراء دراسة مستفيضة حول ذلك، سيفشل المشروع"، مضيفا أن "تجربة دول أخرى في هذا المجال تثبت ذلك، إذ إن روسيا عملت ذلك بعض الوقت لكنها لم تنجح".

وتشمل البنى التحتية، اللازمة لشبكة الويب والإنترنت، في مجالات مثل الإتصالات، وخدمات الشبكة، بروتوكول طبقة المنافذ الآمنة (SSL)، فضلا عن تأمين الأمن المعلوماتي والفضاء الافتراضي، مثل ترميز البيانات Data Encryption، وفق ما وثقه معد التحقيق عبر موقع مركز التنمية التابع لجامعة "الإمام الصادق" الحكومية.

ثمة تحديات فنية أخرى، مثل إطلاق محرك البحث الوطني (يشبه غوغل) وضعف التطبيقات المحلية، حسب وزارة الاتصالات، والتحدي الآخر يعود إلى عدم وجود توافق في وجهات النظر بين وزارة الاتصالات في الحكومة والجهات المعنية الأخرى "المحافظة" في تنفيذ المشروع، في مقدمتها المجلس الأعلى للفضاء الافتراضي والمركز الوطني للفضاء الافتراضي.

اختلافات بين وزارة الاتصالات والجهات "المحافظة" الداعمة لتأميم الإنترنت

إذ ينفي محمد حسن انتظاري عضو المجلس الأعلى للفضاء الافتراضي ما ورد في تقرير لوزير الاتصالات خلال سبتمبر/أيلول 2019 بحصول تقدم بنسبة 80 في المائة في تنفيذ المشروع، قائلا لوكالة "تسنيم" المحافظة، يوم 16 من الشهر نفسه، إن "المجلس لا يتفق مع هذا التقرير المرفوع للسلطات العليا، نافيا هذا التقدم، وعازيا سبب هذا الرفض إلى أن الوزارة لها تعريفها الخاص للشبكة الوطنية، من دون أن يكشف عن المزيد من التفاصيل حول هذا التعريف، لكن "العربي الجديد" رصدت أن الخلاف هو على طبيعة عمل الشبكة، إذ تريد المؤسسات المحافظة منها أن تدير الفضاء الافتراضي والسيطرة التامة عليه، إلا أن وزارة الاتصالات في الحكومة المدعومة من الإصلاحيين ترى أن الشبكة "ليست إلا البنى التحتية للفضاء الافتراضي (Cyber Space Infrastructure) "، بحسب تصريحات الوزير والمهندس محمد جواد جهرمي، المتخصص في أمن المعلومات ، والذي يشغل حاليا منصب وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات حسب ما نقلت عنه وكالة "برنا" التابعة لوزارة الشباب والرياضة في سبتمبر/أيلول الماضي. وأضاف "الشبكة الوطنية للمعلومات ليست الحل لجميع مشاكل الفضاء الافتراضي، هذه الشبكة ليست إلا شبكة بنيوية لهذا الفضاء، وبعض التوقعات من الشبكة الوطنية أكبر مما ورد في الوثائق".  

وأدت هذه التحديات إلى تأخر المشروع عدة مرات عن المواعيد المقررة للإنجاز، بعد مضى 15 عاما على طرح الفكرة، وهو ما أثار تحفظ المرشد الأعلى علي خامنئي، خلال لقاء عبر خدمة "الفيديو كونفراس" مع المجلس الأعلى للفضاء الافتراضي، جرى عقده في 23 أغسطس/آب الماضي، إذ اشتكى حسب التلفزيون الإيراني من عدم تنفيذ المشروع وفقا للجدول الزمني المحدد، داعيا إلى التسريع في ذلك".

وثيقة التعاون بين طهران وبكين تتضمن إنجاز "الإنترنت الوطني"

وعلى ضوء التحديات التقنية، تعول الجمهورية الإسلامية على التعاون مع الصين لتأميم الإنترنت، بحسب ما قال رئيس لجنة الشؤون الداخلية البرلمانية، محمد صالح جوكار، في سبتمبر/أيلول 2020، لموقع "انتخاب" الإصلاحي، مشيرا إلى أن مسودة وثيقة التعاون لـ25 عاما بين إيران والصين، والتي لم توقع بعد، تتضمن "التعاون" مع بكين لإنجاز "الإنترنت الوطني".