عصابات إيران.."المطابخ" تغرق طهران بالمخدرات

28 سبتمبر 2014
الصورة
حرق كميات مضبوطة من المخدارت الايرانية (بهروز مهري/فرانس برس)
+ الخط -
في قرية قريبة من مدينة مشهد الإيرانية شرقي البلاد، جلس حسين وشقيقه واثنان من أصدقائهما حول المائدة، انشغل حسين بلف السجاير، فيما باشر شقيقه تحضير خلطة مخدرة مكونة من الكوكايين وأقراص انتي هيستامين المسكنة.

طوال عام كامل تعاطى حسين ورفاقه خلطتهم المخدرة، فقدوا أحدهم إثر جرعة زائدة، انضم حسين إلى حلقة للراغبين في الإقلاع عن المخدرات، لكنه عانى طويلاً قبل أن ينجح في التعافي.

يعد تعاطي المخدرات شرق إيران جزءاً من الثقافة الشعبية المنتشرة، بينما يعد العمل بتهريبها طريقة عادية لكسب العيش، وهو ما أدى إلى عرقلة رغبة حسين ورفاقه في التعافي من إدمان المخدرات، إلى أن نجحوا بصعوبة في التغلب عليها.


يقول حسين لـ"العربي الجديد" إن "قرى المنطقة تعد ممراً رئيسياً لعبور المخدرات من أفغانستان الجارة الشرقية إلى الأراضي الإيرانية، ووجود العصابات أمر طبيعي اعتاد الأطفال عليه منذ الصغر، والمخدرات منتشرة بينهم".

شكل حسين حلقة للراغبين في التعافي من المخدرات، ساعده فيها مختص اجتماعي وخبير في التعامل مع المتعاطين فضل ألا يكشف عن اسمهما.

أسبوعياً يلتقون في جلسات متقاربة، يتحدث حسين وأصدقاؤه عن تجاربهم فيما يوفر الخبير والمختص الدعم النفسي لهم، بحسب ما قاله خبير التعامل مع المدمنين لـ"العربي الجديد".



في إيران آلاف القصص المشابهة لحكاية حسين، إذ كشف وزير الداخلية، عبد الرضا رحماني فضلي، في آخر إحصائية حول عدد المدمنين - نهاية العام الماضي - عن وجود مليون ونصف المليون مدمن تقريباً في كل أرجاء البلاد من إجمالي عدد السكان البالغ 68 مليون نسمة، تضاف إليهم أعداد غير مسجلة لم تراجع مراكز إعادة التأهيل والعلاج التي قدمت الأرقام للدوائر الرسمية، وهو ما يرفع عدد المدمنين الحقيقي إلى أضعاف الرقم المعلن، وفق ما أكده المتخصصون لـ"العربي الجديد".

رحماني فضلي أكد أن عدد أفراد العصابات المتورطة في قضايا المخدرات يتجاوز خمسة ملايين شخص، بعض هؤلاء يعملون كمهربين، وآخرون كموزعين ضمن شبكات داخلية تعمل لمصلحة العصابات الكبرى أو لمصلحة مافيا عالمية تشرف على تجارة المخدرات.

الجغرافيا والعصابات

على طول الشريط الحدودي لإيران وأفغانستان (واحدة من أهم البلاد المنتجة للمخدرات في العالم)، والذي يصل طوله إلى 855 كيلومتراً، تزرع المخدرات في المناطق الأفغانية، "ببساطة يمكنك أن ترى أزهار الخشخاش على مد النظر، في منطقة ذات تضاريس شاقة، تعاني طقساً قارس البرودة معظم أيام العام، وهو ما شكل غطاءً ممتازاً لعصابات المهربين وتجار المخدرات من الإيرانيين والأفغانيين معاً"، كما يقول الخبير الأمني هادي زرقاني، في دراسة نشرت في مجلة "دانش انتظامي" التابعة للقوات المسلحة الإيرانية.



يضيف زرقاني أن عمليات التهريب تنتعش في فصل الربيع بسبب الأحوال الجوية الجيدة، إذ تعبر عصابات التهريب من بحيرة هامون الحدودية بشكل سلس وطبيعي، إلى مدن زاهدان وسراوان وجاه بهار، وهي مناطق قريبة أيضاً من باكستان شرق البلاد.

الدراسة السابقة تتطابق مع أخرى كشفت عنها الشرطة الإيرانية في موقعها الرسمي بوقت سابق من العام الحالي، فيما أكد رئيس مركز مكافحة المخدرات، طه طاهري، في لقاء سابق مع التلفزيون الرسمي الإيراني أوائل العام أن العصابات الكبرى تعمل على التهريب إلى داخل إيران، ومنها إلى الخارج، وهو ما يعود عليها بأرباح تقدر بثلاثة مليارات دولار سنوياً.

يوماً وراء يوم يرتفع عدد متعاطي ومهربي المخدرات الإيرانية لدرجة أن السوق المحلية ضاقت بهم، ما دعا بعضهم إلى العمل في الخارج، ففي سجون تايلاند وحدها في الوقت الحالي 300 سجين وثماني سجينات يحملون الجنسية الإيرانية، تتراوح أعمارهم بين 23 و30 عاماً، كلهم متورطون في تهريب المخدرات والاتجار بها، بحسب ما نقلت الخارجية الإيرانية في شهر يونيو/حزيران الماضي.


وكان القضاء الإيراني قدم تقريراً رسمياً عام 2011 يشير إلى وجود ثلاثة آلاف إيراني معتقلين في سجون دول أخرى لتهم تتعلق بالمخدرات، استطاعت طهران استرجاع 900 شخص منهم، بموجب اتفاقيات مع تلك الدول، إلا أن العديد منهم لا يزال يقبع في سجون ماليزيا، اليابان، إندونيسيا، السعودية والإمارات العربية المتحدة.

الأسعار

في طهران يبلغ سعر كمية صغيرة من "الحشيش"، تكفي شخصين، دولاراً واحداً، بينما تتجاوز تعرفة سيارة الأجرة ثلاثة دولارات للمسافات القصيرة.



يبلغ سعر مخدر الترياق، وهو أحد أنواع المخدرات الصناعية الشائعة في إيران، ألف دولار للكيلوجرام. الصنف نفسه يباع بالقرب من الحدود الأفغانية بـ 400 دولار فقط، بينما سعر مخدر "الحشيشة" الصناعي ستة آلاف دولار للكيلو الواحد بسبب الإقبال عليها، فيما يصل سعر كيلو الهيرويين إلى أربعة آلاف دولار.

مختصون في مراكز معالجة الإدمان أكدوا لـ"العربي الجديد" أن الأسعار تختلف حسب المنطقة التي تباع فيها المخدرات وحسب نوعها، فكلما بيعت في منطقة أقرب للحدود الشرقية تكون أرخص.

المطابخ

فاقم انتشار ما بات يعرف في إيران بـ"المطابخ"، وهي مصانع منزلية يجهزها تجار المخدرات، من انتشار تعاطي وترويج المخدرات.

وبحسب التقارير الرسمية فإن إيران تنتج أطناناً من المخدرات في هذه "المطابخ"، يتم تهريبها إلى أسواق آسيا، تباع في بلدان كماليزيا وتايلاند بأسعار مرتفعة.

صيدلي تحدث لـ"العربي الجديد"، رفض ذكر اسمه، وصف عملية تصنيع المخدرات بالبسيطة، وقال "يتم خلط الكوكايين أو الهيرويين بأقراص تستخدم لأغراض علاجية مثل (انتي هيستامين، استيناموفن)، تحتوي على مواد مسكنة، أو حتى بعض أدوية الحساسية، والتي تطحن ويضاف لها بعض الماء ومواد كيميائية خاصة".

ويتابع أن مواد التصنيع ذات أسعار زهيدة ويسهل الحصول عليها، لافتاً إلى أنه للتغلب على دخان المخدرات ورائحتها القوية يتم اختيار أماكن للتصنيع في الضواحي بعيداً عن ازدحام المدن.

مركز للتعافي من الإدمان في طهران (Getty)


تأثير السياسة

يوجه المسؤولون الإيرانيون اللًوم إلى المجتمع الدولي في مسألة انتشار تجارة المخدرات في البلاد، حتى أن رئيس محكمة العدل في محافظة أردبيل، غلام علي رضايي، قال في حوار مع وكالة شبستان إن إيران تواجه حرباً تهدف إلى تخريبها من الداخل، خاصة بعد سيطرة الولايات المتحدة وحلف الأطلسي على أفغانستان.

الأمر نفسه كان قد كتبه رئيس مركز البحوث في البرلمان الإيراني، كاظم جلالي، على الموقع الخاص بمجلس الشورى الإسلامي شهر أبريل/نيسان الماضي، حين قال إن "المجتمع الدولي لا يدعم إيران في مكافحتها للمخدرات، ويلومها على أحكام الإعدام المقررة بحق متورطين في تجارة المخدرات".

وعرض رضايي دراسة تتحدث بأن زراعة الخشخاش في أفغانستان زادت في عام 2012 عن العام الذي سبقه بنسبة 18%، وبالمقارنة مع عام 2001 الذي دخلت فيه القوات الدولية إلى أفغانستان نجد أن النسبة ارتفعت 192 مرة.

ووفقا للمادة الرابعة من قانون مكافحة المخدرات في إيران فإن حيازة كمية تفوق خمسة كيلوجرامات من المخدرات التقليدية أو الشعبية، أو حيازة ثلاثين جراماً فقط من المخدرات الكيميائية كالكوكايين أو الهيرويين والمورفين، كافية لتجر صاحبها إلى حبل المشنقة، وبالنسبة للتجار والمهربين فالعقوبة إعدام في كل الحالات، أما المتعاطون فعقوبتهم السجن ودفع غرامات مالية.

من جانبه، أكد مساعد رئيس مؤسسة مكافحة المخدرات، علي رضا جزيني، إن 75% من المحكومين في السجون الإيرانية من المتورطين بجرائم لها علاقة بالمخدرات، لافتاً إلى أنه خلال الأشهر الستة الماضية من العام الحالي تم القبض على 91 ألف متورط في جرائم المخدرات من تهريب وتوزيع، بينما تم ضبط 175 طناً من المخدرات حتى الآن داخل البلاد، في الوقت الذي تم الكشف عن 240 طناً العام الماضي، الأمر الذي يخرب المجتمع من الداخل كما يقول.