Boss baby: سحر الرأسمالية "البريء"

24 سبتمبر 2020
الصورة
كأننا أمام استثمار في ردود الفعل الجسديّة التي لا يمكن ضبطها (نتفليكس)

صدرت أخيراً على "نتفليكس" النسخة التفاعلية من الفيلم الشهير Boss baby، الذي بدأ ككتاب مصوّر للصغار عام 2007، وأنتج منه إلى الآن مسلسل وفيلمان يتابعهما الكبار والصغار الذين تأسرهم القصة البسيطة. في الفيلم، الأطفال يأتون من شركة رأسمالية ضخمة ترسلهم للأهل، بعضهم يبقى طفلاً عادياً، والبعض الآخر يصبح موظفاً في هذه الشركة ضمن سلمها الإداري. هذه الشركة هدفها الأول الحفاظ على "صناعة الأطفال"، لذلك يرسل Boss baby إلى الأرض لتفقد الأعمال والعملاء والوقوف بوجه المنافسين. 
ظاهرة Boss baby تأسر العالم لأنها تراهن على cute و"الكربوج"، والذي يتجلى أولا بأسلوب التحريك والرسم ثلاثي الأبعاد؛ والأهم، أشكال الأطفال أنفسهم ومنطقهم، سواء في الحياة بين البشر، أو أثناء ممارستهم لعملهم. هذا المفهوم يخفي وراءه عنفاً مؤسساتياً صارماً، فمهمة Boss baby هي الحفاظ على سوق الأطفال، ودفع البالغين Ygn لإنجابهم بصورة أكثر للحفاظ على "الشركة". 
هذه العقلية التي تركز على الأطفال نفهمها في الحياة الواقعية كونها ترتبط بصناعة منتجات الأطفال، من أزياء وألعاب وأغذية وحليب، ذاك السائل السحري في الفيلم، الذي يمتلك Boss baby، ككل موظفي الشركة، نسخة خاصة منه تجعله مختلفاً عن غيره من الأطفال العاديين. هذا السائل ذو صيغة سريّة لا تتداول إلّا بين موظفي الشركة، وكأنها الضامن لمستقبل "الأطفال"، لا الأسرة نفسها، التي بسذاجتها قد تهدد الشركة، بل قد تتحول الأسرة إلى منافس للشركة، في حال تقدم أحد أطفال الأسرة بالعمر. وهذا ما نراه في المسلسل والفيلم، حيث أخو Boss baby الكبير يعاديه بداية، ثم يقنعه الأخير بأهمية العمل معاً، أي ليست الأسرة وعلاقاتها ما يتم الترويج له، بل الربح والحفاظ على شركة الأطفال، وفي الوقت ذاته على شكل الأسرة الذي يضمن استمرار الإنفاق. 

منافسو Boss baby هم أولا الحيوانات الأليفة، القطط خصوصاً، تلك التي تستبدل الأطفال لدى الكثير من الأفراد، وهذا ما تراه الشركة إشكالياً، والأهم، وهذا ما نراه بسذاجة طفولية، أن المنافسة أساسها من هو "كيوت" أكثر، أي من القادر على أسر انتباه الأسرة ثم دفعها للصرف في سبيل تزيينه وإطعامه ودفعه إلى أنشطة مختلفة. هناك رهان على البراءة لكسب الربح، خصوصاً أن البراءة والكيوت، لا تفسير علمياً لهما، ورد الفعل عليهما جسديّ، التقبيل والضم، وكأننا أمام استثمار في ردود الفعل الجسديّة التي لا يمكن ضبطها. 
تكمن المفارقة في السلسلة في تصرفات Boss baby؛ هو صارم، ذو قرارات تنفيذيّة، يطمح للترفع في السلم الإداري، والأهم هو يرتدي بزة رسميّة. تلك الملاحظة التي لم يطرحها سوى أخيه الأكبر، مع ذلك هو طفل رضيع، براءته يمكن أن تظهر بأي لحظة، هذه اللحظة هي التي تفعّل لدينا التساؤلات: لمَ بالأصل هناك منافسة على "البراءة"؟ ولمَ كل تقنيات الترويج للـ"أطفال" إذا لم يكونوا خياراً للأسرة؟
يرتبط الأمر بالعديد من السياسات الجندريّة والثقافيّة، والأهم الاقتصاديّة، تلك التي تخلق نماذج من الأطفال، ونمط حياة يتم الاستثمار فيه، لا لمنفعة الأطفال أنفسهم، بل من أجل الربح الآني وعلى المدى الطويل، وتحويل الطفل إلى هم اقتصاديّ، ولا نعني أن الأمر ليس كذلك، لكن هناك تسميما رأسماليا لبراءة الطفولة يرتبط بتحويل الرضيع حتى إلى "سلعة" لا بد من تكوينها وخلق رغبات لدى من حوله ليقدم بشكل "بريء" متفق عليه. 
لن نخوض في عوالم Boss baby بأكملها، لكن في كل حلقة نكتشف جانباً آخر يبدو بريئا وطفولياً، لكنه في الوقت ذاته يشير إلى مساحة اقتصاديّة، كالعلاقة مع المربية أو جليسة الأطفال، أو حتى العجائز، العدو الأقدم للمؤسسة، بوصفهن أيضاً ينلن اهتمام الكبار وينافسن الرضع بحاجاتهن المتنوعة، لنرى أنفسنا وكأننا أمام مساحة اصطناعيّة كوميديّة لصورة الرأسماليّة المعاصرة التي تراهن على "الانتباه" الفردي، الذي لا بدّ أن يبقى مركزاً على أمر واحد، الإنفاق والاستهلاك.