وسيم القربي (2/ 2): السينما التونسية تغوص في واقعنا وتنقل إحباطاتنا

وسيم القربي (2/ 2): السينما التونسية تغوص في واقعنا وتنقل إحباطاتنا

23 يوليو 2021
وسيم القربي: علاقتي بالكتابة صافية (الملف الصحافي)
+ الخط -

هنا، الحلقة الثانية من حوار "العربي الجديد" مع الناقد والمخرج التونسي وسيم القربي (الحلقة الأولى، 21 يوليو/ تموز 2021):

 

(*) في السياق التاريخي، برزت السينما في البلدان المغاربيّة بشكلٍ متقارب، مع اختلاف جغرافية كلّ واحدة منها. كيف ترى الأسس الجماليّة لمسار السينما في تونس والجزائر والمغرب؟

هناك تاريخ مشترك للمنطقة المغاربيّة، وجغرافيا ذات حدود وهميّة. مسار السينما فيها مُتقارب جدّاً، ومرتبط أساساً بالسياق التاريخي، الذي يحيل إلى مُستعمِر واحد، جعل التوجّه الثقافي مسلكاً لفرنسة المواطن المغاربي، وإرساء أفكارٍ وتوجّهات. لا يمكن الحكم على التوجّهات، سلباً أو إيجاباً، في ظلّ المدّ العروبي الذي نشهده اليوم، والذي يستدعي دعوة مختصّين بعلم الاجتماع لدراسة سياق الحاضر.

المسار السينمائي المغاربي شهد تطوّراً منذ البداية القويّة للسينما التونسيّة، وتجارب السينما الجزائرية مع محمد الأخضر حامينا مثلاً، قبل بروز السينما المغربيّة، فصار هناك حضور وتنافس، بتفاوتٍ متنوّع. ما صنع طفرةَ المسار تصويرُ أفلامٍ تشبه المواطن، والقطع مع الرؤية الفولكلورية التي تقحمها الإنتاجات المشتركة.

المسار الحقيقي الذي نجحت فيه السينما المغاربية يكمن في صناعة سينما وطنيّة، تهتمّ بالهوية المحلية، وتعالج قضايانا الحقيقية.

 

(*) منهجياً، قسّمت كتابك إلى حقبتين: أولى تتعلّق بـ"السينما الكولونيالية"، وثانية بـ"السينما الوطنيّة". ما الأساس المعرفي والسينمائي الذي استندت إليه في التحقيب البصريّ والتأريخ بهذه الطريقة للسينما التونسيّة، علماً أنّ السينما العربيّة تجارب أفراد لا جماعات، أو حتّى مؤسسات رسمية يُمكن الاستناد إليها لـ"تأريخ" الصورة السينمائية؟

لا أعتقد أنّي كنتُ أسعى إلى التأريخ بقدر التوثيق، وإصدار مؤلّف يعطي فكرة عن السينما التونسية من خلال ثوابتها وامتدادها. التحقيب ضرورة للكتابة. قراءاتي، والمسار الطبيعي للسينما في تونس، دافعٌ إلى التقسيم إلى فترتين تاريخيتين أساسيتين: الكولونياليّة والتونسة. اعتمدت على وثائق وإصدارات بحثت فيها منذ عام 2007. حقيقة، لا أدّعي تأريخ الصورة السينمائية، لوجود كتابات مهمّة لفكتور باشي والطاهر شريعة وخميّس الخياطي والهادي خليل. كتابي قراءة في التاريخ، ودراسة لبعض الرؤى الفكرية والجمالية.

 

(*) سينمائياً وجمالياً، ما الفرق بين الكولونيالية والوطنيّة في التجربة التونسيّة؟ أيّ سمات وملامح وخصائص ترسمها للفئتين معاً في مسار تطوّر الصورة؟

لا يُمكن الحديث عن إنتاجات سينمائيّة كبرى في الفترة الكولونيالية، باستثناء أفلامٍ قليلة، كـ"زهرة" و"فتاة قرطاج" و"مجنون القيروان". لا يُمكن المُقارنة بين ما لا يُمكن مقارنته. سينما الفترة الكولونيالية سياقٌ تاريخي، له أثر لاحق في تونسة السينما بعد الاستقلال، والسعي إلى تأسيس سينما وطنيّة. تميّزت السينما الوطنية بخصوصيّات وملامح، حاولت القطع مع الماضي، وتأسيس ضوابط لأرضية ثقافية، وبلورة بدائل جمالية، وتصوير الواقع، وتصحيح الذاكرة الوطنية.

 

(*) يزخر الكتابة بصُور فوتوغرافية ولقطات من أفلام قديمة وحديثة، وبيانات وتخطيطات توضيحية وجداول. ألا تتسم هذه الأمور بطابع بيداغوجي وأكاديمي، أضحى متجاوزاً نظراً إلى التحوّلات المعرفية في النقد المعاصر، رغم أهميّة هذا النزوع الأكاديميّ؟

بالعكس. حاولت إدماج هذه الأساليب الفنيّة بعضها ببعض لتبسيط المعلومة للقارئ، فلا يبقى الكتاب حكراً على الجامعيين. استراتيجية إصداره تعريفٌ إضافيّ بالسينما التونسية. الملخّصات والصور محاولة لاستقطاب القارئ، وهذا لا يمنع النزعة الأكاديمية، لضروريّتها في اختياري المنهجيّ. الكتابة الوصفيّة الانطباعيّة البسيطة جداً، تركتها لأصحابها.

 

(*) ما أسجّله على الكتاب افتقاره إلى منهج يُؤسّس مسار الكتب والدراسات عادة، لدوره في توضيح المقاربة، التي يتّخذها الباحث في تفكيك ومساءلة مواضيعه. لماذا غياب المنهج؟

لا أشاطرك الرأي في هذا. لكنْ، أشير إلى أنّ إخراج أيّ إنتاج بالنسبة إليّ رؤية مدروسة في أدقّ تفاصيلها، شكلاً ومضموناً. المنهج المتّبع في كتابي نابع ممّا درسناه في أعرق الجامعات التونسية. إصدار كتاب أو إخراج فيلم لا يُنجزان من دون استشارة أكاديميين وفنانين في المغرب الكبير. لا حقّ لي في هامش الخطأ، لحرصي على نحت مسيرة علمية وفنّية دقيقة، أهدافها واضحة.

 

 

 

(*) ما يشدّ القارئ إلى الكتاب جمعك بين نَفَس تاريخي (معلومات وسياقات وأحداث) واجتهاد تحليلي، في تشريح قضايا السينما التونسيّة وعلاقتها بالمجتمع. كيف جاء التفكير في هذه الطريقة الجامعة والمتحوّلة في آنٍ واحد، من دون الإخلال بشرط الكتاب، جمالياً، ووحدته العضوية؟

أعتقد أنّ طبيعة الموضوع تفرض نفسها. ما تعلّمته في الجامعة التونسية يجعلني أختار موضوع البحث وتفكيكه، بحسب ما تستوجبه المحاور. الكتابة لحظة زمنيّة، تحتاج إلى التدقيق، وتبتعد عن الاستسهال. العمليّة مرهقة، وهذا أحد أسباب قلّة الإصدارات السينمائية. عندما أردتُ إصدار الكتاب، لم أفكّر بالاستثمار التجاري، أو بطباعة كتاب يعزّز ترقية علميّة. هذا الكتاب نابع من رؤية ضروريّة، ضمّنته نظرتي بأساليب بحثيّة، ذكرت بعضها.

علاقتي بالكتابة صافية، تستوجب التأنّي والتعمّق والمسؤولية. تشبه إنجاز فيلمٍ، يتطلّب عدم التسرّع والحرص على أدقّ التفاصيل. صفاء النوايا يُحرّر المبدع، ويطلق تفكيره. إنتاجي لم يرتبط يوماً بالتجاري، بفضل تربيةٍ لي على فكرٍ ملتزمٍ، وممارسة ثقافية جادّة.

هذا الكتاب سيوزّع في الدول المغاربيّة، ومنهجيّته مدروسة بهدف تعريف السينما التونسية للمهتمّ بالسينما.

 

(*) ماذا عن مفهوم الهوية، الوارد في عنوان الكتاب: هل تعتقد أنّ للسينما المَغاربيّة هوية أمام تلاقٍ بين تجارب سينمائية وأفلامٍ فرنسية؟

الهوّية مصطلح شائك، محفوف بالمخاطر. البحث فيه ربما يوقع في مزالق منهجيّة ومعرفيّة. أؤمن بالحسّ المغاربي، عبر الصورة أو الكتابة. أنا ابن هذه المنطقة، وأحبّ مساراتها الوطنية. منذ ولادتي، أحبّ السينما. وبفضل والديّ أحبّ وطني. أشعر بأني مغاربيّ، وأنتصر للسينما المغاربية.

لستُ محايداً. للسينما المغاربيّة هويّتها الخاصّة، وإن شاء البعض تقزيمها. بحوثي تهتمّ بسينمانا المغاربيّة. أوجّه طلابي في هذا الإطار. التقاطع مع السينمات الأخرى، ومنها الفرنسيّة، لا يفسد للودّ قضيّة. لكنْ، هناك توجّه انتهازيّ أحياناً، اقتباسٌ أو تماهي للحصول على دعم أوروبي أو إبهار معكوس. أنا ضدّ هذا التوجّه، لكنّي أحترمه، وأؤمن برؤيتي وموقفي الخاصّ. 60 في المائة من الأفلام التونسية ذات إنتاج تونسي فرنسي مشترك، لكنّ ذلك لا يعني أنّ هويّتنا مطموسة. نحن بلدان منفتحة على المتوسّط، وهويّتنا الفعليّة غير مُهدّدة من الأجنبي، بل من مدّ متطرّف وتوجّه ظلامي يسعيان إلى إعادتنا إلى عصور ما قبل التاريخ. السينما رافد ينفتح على الآخر، وحصن يدافع عن الوعي الإنساني.

 

(*) في هذا الأفق، كيف يُمكن للسينما التونسيّة الغوص في واقعها بكل أفراحه وخيباته، بتجذير صورتها الإبداعية، وبقدر ما تنتمي إليه، تبتعد عنه في آنٍ واحد؟

السينما التونسية تسير في مسار صحيح. تتطوّر ويجهد مبدعوها في تأسيس خطٍّ فكري متحرّر. الصورة الفيلمية التونسية تغوص في واقعنا، وتنقل إحباطاتنا، لا سيّما بعد الثورة. السينما، كغيرها من المجالات الأخرى، ترتبط بالواقع السياسي، وفي ظلّ هذا التخبّط، تبقى الصورة الإبداعيّة ناقصة. ما لا يعلمه كثيرون أنّ تونس الثورة لم تحقّق ما كان مُتوقّعاً. السينما ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمناخ المحلّي، لارتباطها بالسياسة الثقافيّة، والتوجّه الحالي غير مهتمّة به الآن. لا بدّ من ثورة ثقافيّة، كي تخرج السينما من هزائمنا المتكرّرة. الثورة الثقافيّة آتية لا محالة، لكنْ، ستسبقها ثورة اجتماعيّة، ثورة "الجياع" أولاً.

المساهمون