"الانطباعية في روسيا": محطّة تحرُّر من الأكاديميا

31 أكتوبر 2020
الصورة
"منزل في بيلكينو"، ستانيسلاف شوكوفسكي، 1907 (من المعرض)
+ الخط -

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أخذ تاريخ الفن مساراً مختلفاً مع صعود الانطباعية التي وصلت ذروتها خلال عقدين أو ثلاثة، لينفتح المشهد على تيارات ما بعد الانطباعية والوحشية وصولاً إلى التكعبيبة، والتي حاولت الابتعاد عن مركزية اللون والضوء في اللوحة.

كان ذلك في غرب القارة الأوروبية، أما في شرقها فقد بدا الأمر مختلفاً كما يصوّره معرض "الانطباعية في روسيا.. انطلاق نحو الحركة الطليعية" الذي يفتتح في "متحف باربيريني" بمدينة بوتسدام الألمانية في السابع من الشهر المقبل، ويتواصل حتى الثامن والعشرين من شباط/ فبراير المقبل.

انجذب الفنّانون الروس الذين توافدوا على باريس في تلك المرحلة إلى لغة جديدة ستتيح لهم التحرّر من قيود الرسم الأكاديمي، وكان ذلك عائقاً أساسياً بالنسبة إليهم، وعبّر الفنان الروسي فاسيلي كاندينسكي (1866 - 1944)، عند مشاهدته لوحة كلود مونيه "كومة القش"، عن انزعاج سيطرَ عليه في البداية من رسم بدا له غير واضح حينها، لكنه كتب بعد ذلك: "لقد لاحظتُ بدهشة وارتباك أنَّ الصورة لم تستحوذ عليّ فحسب، بل حفرت نفسها في ذاكرتي بشكل لا ينقطع... اكتسب الرسم قوّة ورواية خيالية".

قطع الانطباعيون مع تقاليد الرسم الزخرفي والأيقوني

كانت الانطباعية تعني الحرية في روسيا، وبلغة أدقّ شكّلت للفنّانين الروس خطوةً مهمّة للقفز باتجاه فضاءات أكثر رحابة، وهو ما يحاول منظّمو المعرض الإضاءة عليه في أعمال نيكولاس تارخوف، وديفيد بيرلجوك، وكونستانتين كوروفين، وستانيسلاف شوكوفسكي، وفالنتين سيروف، ومايكل لاريونوف، وناتاليا غونشاروفا، وكازيمير ماليفيتش، وآخرين.

في واحد من أكثر فصول الحداثة الروسية، سينضمّ تارخوف الذي رَفضت "مدرسة الرسم والنحت والعمارة" بموسكو قبوله بسبب ميوله الثورية، إلى استديو كوروفين (الذي يكبره بعشر سنوات) عام 1897، ويلتقي هناك بافيل كوزنتسوف، وفاسيلي بولينوف، وفالنتين سيروف، حيث رسمت هذه المجموعة الصغيرة موديلات عارية ببراعة وحركات جريئة باسخدام فرشاة عريضة ستترك أثرها في المشهد الفني في البلاد.

حقّق أعضاء الاستوديو نجاحاً كبيراً عند عرض أعمالهم، واكتسبوا شهرة بسبب طريقتهم المبتكرة، وبذلك برز أول حضور للانطباعيين، وبموازاة ذلك تخرّح شوكوفسكي من "مدرسة موسكو للرسم"، وأسّس استوديو لتعليم الطلّاب أسلوبه الذي مزج بين الانطباعبة وتقاليد المدرسة الواقعية الروسية، حيث سيصبح عدد من طلبته من روّاد الطليعية، مثل ليوبوف بوبوف، وفلاديمير ماياكوفسكي الذي كان يعمل آنذاك كفنان ملصقات.

أما الفنانة ومصمّمة الأزياء غونشاروفا، فانتمت إلى تيار بدا الأكثر تطرّفاً بين الانطباعيين في سعيه نحو إحداث قطيعة مع الرسم الزخرفي والأيقوني الذي كان سائداً، وكانت مأخوذة برسم تفاصيل الحياة اليومية للخدم والفلاحين، ومنفتحة على جميع المدارس الغربية مثل التكعيبية والمستقبلية وغيرهما.

يضمّ المعرض أعمالاً لواحد من أبرز فنّاني تلك الفترة، وهو ماليفيتش الذي تأثّر في بداياته بغونشاروفا ولاريونوف، اللذين كانا الأقرب في انطباعيتهما إلى الفنان الفرنسي بول سيزان، قبل أن تتطوّر تجربته خلال العقد الثاني من القرن العشرين مع تأسيسه "حركة السوبرماتيزم" (التفوقية)، إذ سعى إلى هدم واقعٍ بأكمله من خلال العودة إلى الطاقة بوصفها الوحدة المركزية المكوّنة للإنسان، حيث يتشكّل الجمال المطلق ونصل معنى الانسجام ما بعد الصفر، ما يعني انتهاء المنظور في اللوحة وموت الشكل.

يلفت المنظّمون إلى أنَّ عدداً من الفنانين الطليعيّين عادوا إلى أسلوب أكثر انطباعية في أواخر ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، وكأنهم تعاملوا مع الانطباعية كفيضان يمكن الغوص فيه ثم الخروج منه ثم الرجوع إليه مجدداً، ويمكن ملاحظة ذلك في لوحتَي "بورتريه ذاتي" و"منظر طبيعي صيفي" لماليفيتش، بعد تنظيره الراديكالي حول المربّع الأبيض! 

المساهمون