كورونا في "مهرجان ريف للأفلام 2": التجربة مهمّة لكنّ النتيجة باهتة

كورونا في "مهرجان ريف للأفلام 2": التجربة مهمّة لكنّ النتيجة باهتة

12 أكتوبر 2020
الصورة
"ريف للأفلام": وباء يُصيب طبيعة ونفساً بشرية (جوزف عيد/ فرانس برس/ Getty)
+ الخط -

يخوض "مهرجان ريف للأفلام" تجربة سينمائية متداولة في النتاج السينمائي الدولي. وباء كورونا، المتفشّي في العالم منذ 9 أشهر، يستدعي اهتماماتٍ جمّة، فتنخرط السينما في قراءة الحالة والانفعال والعيش والعلاقات والمسالك، بناءً على ما يفرضه الوباء من قواعد جديدة. الدورة الثانية للمهرجان اللبناني (8 ـ 21 أكتوبر/ تشرين الأول 2020) تُقام في لحظة تمدّدٍ أخطر للوباء في لبنان والعالم. مصائب البلد كثيرة، والوباء أخفّها وطأة رغم مخاطره. المهرجان معنيّ بمسائل بيئية، والأفلام المختارة تقول شيئاً منها بأشكالٍ مختلفة.

التجربة المتدَاولة ترتكز على تمويل أفلامٍ قصيرة في إطار واحد. فيلم جماعي يتضمّن أفلاماً قصيرة تشترك بمسألة واحدة، لكنّها تُعالَج سينمائياً بأساليب وأنماط تفكير مختلفة. كورونا يحرّض على هذا، فالوباء والأزمات المتأتية منه تحديداً دافعٌ للمهرجان إلى "إعادة التفكير في تصوّرنا للعالم، وتحديداً علاقتنا بالبيئة والطبيعة". لذا، يدعو المهرجان شباباً لبنانيين إلى "إنتاج أفلامٍ قصيرة تُترجِم مشاعرهم، وانعكاس الأزمة على يومياتهم". الأفلام المُنجزة تتنافس على جائزتين، تمنحهما لجنة تحكيم مؤلّفة من المغنية ريما خشيش والممثلة كارول عبّود والمخرج أحمد غصين. هناك جائزة ثالثة يمنحها الجمهور، الذي سيُصوِّت عليها بمشاهدته الأفلام على منصّة "أفلامنا"، التابعة لـ"جمعية بيروت دي. سي."، المتعاونة مع "مجلس البيئة في القبيّات" (شمال لبنان) في تنظيم المهرجان.

اللائحة المختارة تضمّ 20 فيلماً. أحد تلك الأفلام، "إحساس غريب" لزينة صفير، مُنجز سابقاً ضمن مشروع "كاميرا واحدة/ أسبوع واحد/ 5 مخرجين" (إنتاج "درج" وISM)، الهادف إلى "تسليط الضوء على ما تختبره البشرية بسبب فيروس كورونا"، وإلى "المشاركة بالسرد والتوثيق خلال هذه المرحلة، وبالتالي تقديم وجهة نظر إضافية مختلفة عن تلك التي يُقدّمها الإعلام الإخباري". فالمشروع هذا "فرصة لمحاولة استيعاب كيف يتعامل الأفراد مع واقعهم خلال فترة الحجر" (الأفلام الـ4 الأخرى: "كوفيديو" لكارول منصور، و"ليال ونهاران في زمن الوباء" للميا جريج، و"ما بعد الأورجي؟" لمحمود حجيج، و"النافذة الخلفية" لغسان سلهب).

اختيار "إحساس غريب" في مشروع آخر غير مُبرَّر. الاكتفاء بـ19 فيلماً لمشروع "ريف للأفلام" يتماشى والاسم العلمي للفيروس "كوفيد 19". مضمون فيلم صفير غير متوافق كلّياً مع عنوان "ريف". إقحامه بهذه الطريقة نافرٌ. هذا لا علاقة له بالنقد، فـ"إحساس غريب" يمتلك حميمية ذاتية تنفتح على أسئلة عائلية واجتماعية ونفسية وانفعالية، وعلى علاقة المخرجة بأمكنة وذكرياتٍ تستعيدها في زمن كورونا. عرضه ضمن مسابقةٍ أخرى، ناشئة في سياق يختلف تماماً عن نصّ "العيش في ظلّ الوباء" (مشروع "درج" وISM)، يُثير سؤالاً عن مصداقية الاختيار، وأهدافه.

المأزق الآخر لمشروع "ريف للأفلام" واضحٌ في الاشتغالات البصرية، المُنتِجة أفلاماً قصيرة (تتراوح مدّة كلّ واحدٍ منها بين 3 و 6 دقائق)، تعاني غالبيتها ارتباكات وادّعاءات وثرثرة. الأفلام الجدّية قليلة، فالغلبة لفوضى الكلام والصُور. التجريب قليلٌ أيضاً، لكنّ بعضه القليل يعكس ارتباكاً من نوعٍ آخر، يتمثّل بارتباك الحالة الفردية المنبثقة من تفشّي كورونا. التلقين التدريسي حاضرٌ في "بين السوسن والأوركيد" لخالد طالب، بينما "موجود" لروني مكرزل مبنيٌ على ثرثرة خطابيّة تُفقد التفاصيل الصغيرة (حب، علاقات، بحث عن معنى آخر للحياة عبر اكتشاف الطبيعة، إلخ.) معناها الدرامي وشكلها الفني. "سبحان الخالق" لنوح عواضة مكتفٍ بعجوز تُدعى سبحان الخالق (من بلدة عنقون في جنوب لبنان) تروي حكاياتٍ تبدأها من الوباء، والكلام يميل إلى ماورائيات تؤمن بها العجوز.

التجريب السينمائي يعجز، أحياناً، عن تبيان ملامحه الاختبارية في صُنع صُوَر وسرد مرويات بها. "حجرلّوو" مثلٌ على ذلك. الفيلم يتضمّن أسماء أناسٍ من مدن عربية وغربيّة كثيرة، مبثوثة على الشاشة تحت عنوان "المتعاونون في الحجر الصحي". لقطات لأفرادٍ في أوضاعٍ مختلفة، والرابط بينها مواجهة كلّ واحد منهم للوباء. هذا يتناقض مع "رحلة 19" لرنا زيدان: أصواتٌ وصُوَر وتكرار لروتين قاتل، ثم انفلاشٌ في طبيعة ملوّنة، مع نبرة تقول بتقطيع هادئ: "اذهَبْ إلى حيث تشعر أنّك على قيد الحياة". مع زيدان، يؤكّد التجريب البصري أنّ لغته تقول بالصُور ما لا يُقال بالكلمات.

يؤدّي جوزف مارون دورين، يختلف أحدهما عن الآخر، في "كوكب ميت" لرافي طنّوس و"تابوت 19" لرامي سلّوم. طنّوس يتعاون مع سلّوم في مسائل فنية، أبرزها التصوير. مارون ينتقل من حالةٍ إلى أخرى، مُقدِّماً فيهما ارتباكات نفسٍ فردية إزاء مُصَابٍ يعمّ الجماعة. في الفيلم الأول، يسيطر كورونا على العالم لغاية عام 2085. كلامٌ ولقطاتٍ مستقبلية عن عالمٍ مستمرٍّ في خرابه وانهياراته وتمزّقاته، بينما بقايا الطبيعة تعاند من أجل حياة، وإنْ تكن معطّلة راهناً. في الفيلم الثاني، يواجه الشاب موته في تابوت مدفونٍ تحت الأرض، وأشكالٌ حياتية تنمو فوقها. استخدام الموسيقى يتلاءم والمناخ القاسي، لكنّها تُفقِد النصّ السينمائي، الخالي من أيّ كلامٍ، شيئاً من حيويته وجماله. والتفسير (المكتوب باللغة الإنكليزية، والظاهر على الشاشة في الختام) تلقينيّ، وإنْ يتضمّن نوعاً من تأمّلات في أحوال الدنيا والناس، مُطعّمة بنُتفٍ من التفاؤل.

 

 

التفاؤل سمة مخفَّفة لـ"هون وتحت" لنور المجبّر، مع شيءٍ طفيفٍ من كوميديا مخفّفة في بدايته: اتصالات هاتفية كثيرة يتلقّاها جاد على هاتفه الخلوي. بين اتصال وآخر، يروي للمُشاهدين ما يحصل معه. الوباء والأزمة الاقتصادية الخانقة يدفعانه إلى ترك المدينة واللجوء إلى قريته، لكنه منشغل ببيع ما لديه. يلتقي سامر، المُقيم منذ طفولته في القرية نفسها. كلامٌ عاطفي بنبرة حزينة فيها بعض التصنّع، وخلاصة ينطقها الاثنان (جوزف عقيقي وساني عبد الباقي): من دون كورونا، لن يتغيّر شيءٌ على سامر، الذي يبدو "سعيداً" بالمناظر الطبيعية الجميلة حوله. لكنْ، لسامر قول آخر: المتغيّر بسبب كورونا كامنٌ في أنّ هناك مهتمٌّ به لحظة وقوفه على حافةٍ، برغبة لديه في القفز عنها صوب المجهول.

رغم هذا، يمتلك "هون وتحت" حساسية سينمائية في قراءته لحظات صادقة، يُدركها المرء أحياناً في يوميات الشقاء. تلك الحساسية، المُلتقطة بنَفَسٍ مختلف، تُشكِّل عَصَب "المطهر" لريتا سلامة: شخصيات تنغلق على نفسها داخل منازلها، ورجلٌ يخرج إلى المساحة الأوسع للحياة/ الطبيعة، مستكشفاً بتأمّل وهدوء بعض تفاصيلها. أما "بايليس بيدس" لجورجيو ناصيف، فيعكس تداعيات شابٍ في انهياره الأخير (هناك ما يوحي، لثوانٍ عابرة، أنْ لا حدّ يفصل بين حياة الشاب وموته)، متحدّثاً على الهاتف مع آخر غير ظاهرٍ وغير متكلّمٍ. كلامٌ عن تحولات وارتباكات ومشاغل وتفاصيل، يُقال بسلاسة مليئة بخيبة ووجع.

هذه نماذج. أفلامٌ أخرى موغلة في سذاجة الصورة وبهتان النصّ. الادّعاء غالبٌ، وإنْ تُخفَّف حدّته أحياناً في أفلامٍ، توهم بقولٍ مفيد قبل انكشاف فراغها. تجربة "مهرجان ريف للأفلام"، كتجارب سابقة عليها في لبنان وفلسطين ("فيلم لاب فلسطين"، بالتعاون مع المؤسّسة الدنماركية "دعم الإعلام الدولي"، تُحقِّق مشروع "أصوات من فلسطين في زمن كورونا")، تحتاج إلى نقاشٍ غير متوقّف عند نقدٍ يتناول أفلاماً مُنجزة، فالسجال مطلوبٌ حول التمويل ونتائجه، ونظرة المموِّل إلى النتائج، أيضاً.

المساهمون