"حارس مدفع القدس"... حكاية يعرفها رمضان

"حارس مدفع القدس"... حكاية يعرفها رمضان

20 ابريل 2023
كان الجد الحاج أمين الصفدي يتولى المهمة في العهد العثماني (فايز أبو رميلة/الأناضول)
+ الخط -

سلّطت المخرجة الفلسطينية ساهرة درباس، في فيلمها الوثائقي "حارس مدفع القدس" الذي أنتجته وكتبته وأجرت البحث الخاص به، الضوء على مسيرة رجائي يحيى أمين صندوقة الذي يتولّى منذ أكثر من ثلاثين عاماً مهمة إطلاق النار من مدفع القدس في كل يوم من أيام رمضان، إعلاناً لموعدي الإفطار والإمساك، مُتوارثاً المهمة عن والده الذي ورثها عن أجداده.

الفيلم الذي بثته فضائية الجزيرة الوثائقية أخيراً شارك في إخراجه شادي جيورجيو الذي أنجز مهمتي التصوير والمونتاج، على وقع موسيقى سعيد مراد.

وراوح الفيلم ما بين حكايات حارس مدفع القدس ووالده وجدّه، وما بين تاريخ هذا المدفع وغيره من المدافع التي كانت تنتشر منذ الحقبة العثمانية في العديد من المدن الفلسطينية، كعكا، وحيفا، ونابلس، وغزة.

صندوقة هو أيضاً ممثل مسرحيّ وله أدوار سينمائية، وكون الفنّ في فلسطين "ما بطعمي خبز"، فإنه يعمل أيضاً أمين صندوق في بقالة ومخبز في القدس، أمّا مهمة ضرب مدفع رمضان فهي من أجل الحفاظ على ما توارثه من جهة، وللحفاظ على طقس ارتبط بالطابع الإسلامي لمدينة القدس التي كما أشار باتت تعاني اليوم من تهويد غير مسبوق.

ولفت الفيلم، الذي تراوح ما بين السرد بلسان أحمد عاديلة، وما بين الحديث مع صندوقة بالدرجة الأولى، إلى أن فكرة "المدفع" بدأت في العصر المملوكي، وتحديداً في عهد السلطان خوشقدم الذي قرر إجراء تجربة على المدافع خارج أسوار القدس، وصادف أن توقيت التجربة كان في رمضان، فلمس القائمون على التجربة أثر ذلك إيجاباً على أهل المدينة وسكّانها الذين اعتقدوا أن ما حدث كان بمثابة هدية من السلطان لهم بمناسبة الشهر الفضيل. ومن هنا بدأ عمل مدفع القدس في رمضان والمناسبات الدينية الإسلامية كالمولد النبوي، والإسراء والمعراج، وذكرى الهجرة النبوية، في زمن لم يكن فيه مكبّرات صوت، وكانت أصوات المؤذنين لا يتجاوز مداها محيطها القريب.

قضايا وناس
التحديثات الحية

كان الجد الحاج أمين الصفدي يتولى المهمة في العهد العثماني، واستمر مسؤولاً عن ضرب المدفع حتى وفاته عام 1960. في العهد العثماني، كان المدفع يطلق من قلعة داود في القدس. وفي أكتوبر/ تشرين الأول 1945 استبدل المدفع بآخر حديث مهدى من القائد العام للجيش البريطاني في فلسطين وجنوده لأهل القدس بمناسبة عيد الفطر. وهذا المدفع عُرف بـ"مدفع الساهرة"، إذ كان يطلق من مقبرة باب الساهرة في المدينة المقدسة، ثم بات خارج الخدمة، إلا أنه لا يزال في المتحف الإسلامي.

في وقت لاحق، حسب صندوقة، انتقل المدفع إلى المقبرة الإسلامية في شارع صلاح الدين الشهير بالقدس وتعرف بـ"مقبرة المجاهدين"، باعتباره المكان الأعلى من بين الأماكن الأقرب إلى البلدة القديمة، خصوصاً أن جميع سكّان القدس كانوا في ذلك الوقت يعيشون داخل أسوار القدس، لافتاً إلى أن جدّه كان يتقابل مع آخر يقف على سور القدس، وحين يحين موعد الإطلاق يلوّح له الآخر بأن "اضرب المدفع".

ولم يغب عن الفيلم توثيق الانتهاكات الإسرائيلية بحق القدس وأهلها، ومنها ما طاول المدفع، فمنعت سلطات الاحتلال بداية إطلاقه في المناسبات الدينية خارج إطار طلقة عند موعد الإفطار، وطلقتين عند موعد الأذان الأول والإمساك، ومن ثم الاكتفاء بطلقتين يوميّاً، واحدة عند الإمساك والأخرى عند الإفطار، واستمر الحال هكذا حتى عام 1981، إذ منع استخدام مادة البارود التي كانت تستخدم في مدفع القدس ومدافع المدن الأخرى، فتوقفت جميعها عن العمل، إلا أن رجائي صندوقة أصرّ على إيجاد طريقة للخروج بحل ما يعيد المدفع للعمل كما كان، وبالفعل تم التوافق على استبدال البارود بقذائف صوتية، تسلّم له عبر تاجر.

ومع ذلك، تواصلت المضايقات الإسرائيلية، ومنها بداية اشتراط حصوله على تصريح استثنائي باعتباره مصدر إزعاج للسّكان في المنطقة، ويقصدون المستوطنين، فكان أن حصل عليه، وفي وقت لاحق طالبوه بالعودة إلى الوراء خمسة عشر متراً فلم يعد يقابل أسوار القدس، ومن ثم اشترطوا عليه، وبعد أكثر من ثلاثة عقود كان يضرب فيها المدفع، على الانتظام في دورة متخصصة، والحصول على ترخيص رسمي، وهو ما فعله أيضاً.

المساهمون