"الصندوق الأسود": لا أصالة ولا جودة

04 ديسمبر 2020
الصورة
منى زكي: عودة سينمائية بعد غياب (جوناثان رشاد/ Getty)
+ الخط -

بين أفلام قليلة الميزانية، عُرضت مؤخّراً في الصالات السينمائية المصرية، يُعتَبر "الصندوق الأسود" (2020) لمحمود كامل أهمّها. من ناحية أولى، هناك عودة الممثلة منى زكي إلى السينما للمرّة الأولى منذ 4 أعوام، وإلى جانبها ممثّل جيد، كمحمد فراج، وآخر كوميدي يؤدّي دوراً جاداً، هو مصطفى خاطر. لكن، من ناحية ثانية، هناك ما يُقلِق بشأن مستواه، إذْ لا تتضمّن السيرة المهنيّة للمخرج أعمالاً مُشجِّعة، وآخرها "بنات ثانوي" (2020)، المعروض مطلع العام الجاري؛ بينما هناك تشابه واضح، ظهر منذ عرض الشريط الدعائي، بين قصّته وقصّة "غرفة الرعب (Panic Room)"، الذي أخرجه ديفيد فينشر عام 2002. مُشاهدة "الصندوق الأسود" تؤكّد أنّ الأمر ليس "مجرّد تشابه" بينهما، فكرةً وأجواء، بل نسخ لتفاصيل ومَشاهد ولحظات ذروة، بينما الفرق الوحيد يتمثّل في إضافة "كليشيهات" درامية مصرية عليه.

كـ"غرفة الرعب"، تدور أحداث "الصندوق الأسود" في ليلةٍ واحدة ومكان واحد، إذْ يسطو السارقان سيد (فراج) وهادي (خاطر) على منزل محُامٍ مشهور، توجد فيه زوجته الحامل ياسمين (زكي)، ما يُوقعها في صدامٍ طويلٍ معهما، محاولةً النجاة بحياتها في تلك الليلة العصيبة.

أكثر ما هو مزعجٍ ليس اقتباسه عن فيلمٍ آخر، من دون الإعلان عن ذلك، بل في كون صنّاعه، تحديداً كاتبي السيناريو أحمد وهيثم الدهان، لا يدركان ما الذي جعل عمل فينشر جيداً أصلاً. الأبرز كامنٌ في طبيعة مكان الأحداث في الفيلم الأصلي، وتمحوره حول غرفة مُحدّدة لا يمكن فتحها، يريد السارقون اقتحامها، بينما تختبئ فيها صاحبة المنزل (جودي فوستر) وابنتها (كريستن ستيوارت). هذا تفصيل محوري، منح فيلم فينشر حيوية كبيرة وألاعيب مختلفة بين الطرفين. بينما في "الصندوق الأسود"، مع تحويل المكان إلى "فيلا" عادية، يعاني الكاتبان كثيراً في إكمال فصول الحكاية إلى 90 دقيقة.

 

 

الواضح أيضاً تفاصيل الشخصيات. في "غرفة الرعب"، تعاني البطلة "فوبيا" الأماكن المغلقة، وابنتها مُصابة بمرض السكّري. يُستخدم هذا بذكاء لتطوير أحداث الفيلم وفصوله. بطلة "الصندوق الأسود" تعاني، هي أيضاً، "فوبيا" الأماكن المغلقة، ويُمهَّد لهذا بوضوح في البداية. لكنْ، بسبب غياب "غرفة رعب" مغلقة في منزلها، لا يُستخدم هذا التفصيل أبداً بعد ذلك، ولا يكون له أهمية. تماماً كالحاصل مع تحويل مرض السكّري إلى احتمال تسمّم الحمل، ولا يكون لهذا الخطر أيّ تأثير في مسار الأحداث.

كيف لا يتعامل صنّاع "الصندوق الأسود" بجدّية مع أمر بديهي، كاستخدام تفاصيل مزروعة في البداية؟ وكيف يستخدمون التفاصيل الأجنبية نفسها، من دون إدراك دورها في الحكاية؟ ما يضيفه فعلاً كاتبا السيناريو "كليشيهات" كثيرة، تُثير شعوراً بمُشاهدتها سابقاً مرّات عدّة: المحامي الذي يظهر أنّه فاسد. أحد السارِقَين يقول، فجأة بعد منتصف الأحداث، إنّه "هنا" لحاجته إلى مالٍ لإجراء عملية لوالده. وهذا قبل تصعيد ساذج وغير مُبرّر: "محرّكو" عملية السرقة خطفوا والده. ثم هناك صديقة لا يوجد أي أبعاد لشخصيتها، و"تويستات" درامية لا يُمهَّد لها، لتكون "الإضافات" كلّها حَشواً مُكرّراً وضعيفاً للغاية.

إزاء مشاكل كهذه، يصعب التحدّث عن تمثيلٍ جيّد. صحيح أن منى زكي تبذل جهداً واضحاً، لكن تفاصيل الشخصية لا تساعدها بمنحها مساحات مختلفة، خلاف الصدمة والرجاء والبكاء. بينما اكتفى محمد فراج بإعادة تقديم شخصيات سابقة له (خليط من دوريه في مسلسلي "هذا المساء" و"بدون ذكر أسماء") باسم سيّد الحرامي؛ وأيضاً مصطفى خاطر، الذي ـ رغم محاولته الشديدة في عدم تأدية الدور كوميدياً ـ بدا تمثيله مُتردّداً، وهذا أداؤه نفسه في "هروب اضطراري" (2017) لأحمد خالد موسى.

لهذا، يبقى "الصندوق الأسود" تجميعاً لعناصر غير متناسقة أبداً، ولا يعيبه فقط عدم الأصالة، بل عدم الجودة أيضاً.

المساهمون