الصحافي معاذ حامد بعد تحقيق "الموساد" معه في إسبانيا: أخشى الانتقام

14 ابريل 2021
الصورة
ضابط الموساد حقق مع معاذ حامد في فبراير/شباط الماضي (العربي الجديد)
+ الخط -

كان يمكن لأي صحافي في فلسطين أن يعتقل إدارياً ولمدة مفتوحة من دون لائحة اتهام. هذا هو الاحتلال وهذه هي أدواته. لكن ما وقع لمراسل "التلفزيون العربي" في إسبانيا، الصحافي معاذ حامد، لم يكن أقل من فضيحة، إذ إن ضابط استخبارات إسرائيلياً هو من تولى التحقيق معه في مؤسسة أمنية في العاصمة مدريد، وباللغة العربية، حيث لم يكن الضابط الإسباني سوى موظف تجهيزات لتحقيق أجنبي على أرضه، مع ضحية أعزل يأمل في لجوء آمن.

"بالوثائق... هكذا يستهدف الموساد فلسطينيي الخارج في دول أوروبية" عنوان التحقيق الذي أعده معاذ حامد لصالح صحيفة "العربي الجديد" يوم 30 ديسمبر/ كانون الأول عام 2019.

وهو تحقيق مزعج بالتأكيد، إذ يتتبع بالوثائق والتسجيلات الصوتية محاولة الموساد تجنيد الفلسطينيين في الدول الأوروبية، عبر عروض عمل وهمية وغيرها، عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي والمنظمات الخيرية، بغية التجسس على التنظيمات الفلسطينية والناشطين في أوروبا.

عمل حامد في تركيا، ثم قرر اللجوء إلى إسبانيا. حدث هذا في إبريل/ نيسان عام 2019، أي قبل ثمانية أشهر من قراره بنشر التحقيق الذي جهزه في تركيا

لماذا لم ينشر التحقيق قبل وصوله إلى إسبانيا؟ قال معاذ حامد في حوار مع "العربي الجديد" إن تحقيقه كان جاهزاً قبل عام من تاريخ نشره، لكن عدم شعوره بالأمان في تركيا أجّل النشر، مضيفاً "ظننت أن إسبانيا ستكون المستقر الآمن، لأفاجأ أنني أتعرض لتحقيق استخباري بسبب تحقيق صحافي".

من الغريب استدعاء صحافي لاجئ إلى مقر "الحرس المدني الإسباني"، وهو جهة أمنية عسكرية مهمتها حراسة الموانئ والطرق السريعة ومقرات الشخصيات السياسية، وملاحقة مهربي المخدرات والإرهابيين.

الجهة المتوقع أن تستدعي شخصاً لسؤاله أسئلة تتعلق بملف لجوئه هي "الشرطة الوطنية". لكن اللاجئ، حتى لو كان صحافياً متعلماً يتقن لغات عدة، يبتعد عن أي احتمال لصدام مع مؤسسة من مؤسسات الدولة التي سمّي لاجئاً فيها. حين يتلقى معاذ حامد اتصالاً ودعوة لشرب فنجان قهوة سينحي فوراً سؤال الجهة الأمنية "أنتم لستم الشرطة الوطنية. ما علاقتكم بي كلاجئ؟"، وهذا ما حصل في 9 ديسمبر/ انون الأول الماضي.

وهو يعرف، كما تعرف محاميته، أن "الحرس المدني" ليس جهة الاختصاص. ما جال في خاطر حامد أن جهاز المعلومات في الحرس المدني تلقى معلومات من "الموساد". ربما يريدون التأكد بأنه لا يشكل خطراً على أمن إسرائيل التي اعتقلته سابقاً، وهو اليوم لديه اعتماد حكومي كصحافي محترف يعمل على الأرض الإسبانية.

في مقر الحرس الأمني سيكون الصحافي أمام ضابطين إسبانيين: نيكولاس وخافيير، وستدور جلسة مطولة. وبخبرة حامد الذي عرف السجون الإسرائيلية في اعتقال إداري مرات عدة، انتبه إلى أن أحد الضابطين يسأل والثاني يراقب لغة جسده وردود أفعاله.

كل ذلك،كان يمكن اعتباره طريقة تحقيق متعارف عليها في العالم، قبل أن يأتي التحقيق الثاني بحضور ضابط موساد إسرائيلي، في 11 فبراير/ شباط الماضي، لينكشف الغطاء كلياً عن الفضيحة.

بعد ظهور الضابط الإسرائيلي، هل انتبهت إلى أن الضابطين الإسبانيين في اللقاء الأول،كانا يسألان أسئلة استخبارية؟

بالطبع. تعرضتُ في البداية لأسئلة عادية، لكن في نهاية اللقاء بدت الأسئلة غريبة، بل أستطيع القول غير احترافية، مثل "لو رأيت السفير الإسرائيلي في مؤتمر صحافي، ماذا يمكن أن تتصرف؟" ورددتُ بأنني أعمل في مؤسسة إعلامية محترمة، وأنا معتمد لدى الدولة الإسبانية رسمياً، لذلك أدرك وألتزم بتقاليد مهنتي. ثم سئلتُ "لو رأيت ضابط مخابرات إسرائيلياً، ماذا يمكنك أن تتصرف جسدياً؟"

وسخرتُ من السؤال، ليس فقط للأسباب المهنية التي ذكرتُها، بل لأن مراسلاً تلفزيونياً يراد له أن يعرف برمشة عين شخصاً، ويحدد مهنته، فما بالك بأن يكون رجل مخابرات، وظيفته أن يكون مجهولاً.

لدي صراع سياسي مع إسرائيل، هذا لا أخفيه، بدءاً بالعنوان الكبير للصراع مع احتلال، وصولاً إلى التعبير عن موقف صغير، كالذي حدث حين كنتُ أتلقى دورة في اللغة الإسبانية، وكانت تدرس معي مجندة إسرائيلية. عرفتها من حسابها على "فيسبوك" وهي ترتدي البزة العسكرية وتحمل سلاحاً. كل ما في الأمر أنني طلبت بوضوح أن تجلس في أبعد زاوية عني، أثناء تلقي الدرس.

جهاز المعلومات في الحرس المدني الإسباني، يقول حامد، هو الاسم الملطف للاستخبارات. يوضح "لنقل أن ثمة تبادلاً للمعلومات. ما هو غير طبيعي وانكشف بشكل فاقع أن يأتي ضابط موساد مدعياً أنه رجل استخبارات بلجيكي من أصل فلسطيني واسمه عمر ليحقق معي".

من السهل على أي طفل فلسطيني معرفة لهجة الإسرائيلي، حين يتحدث العربية، ومن المؤكد أنه سيرفض إظهار هويته كما طلب منه حامد، لينكشف الأمر، أمام الضابط الإسباني خافيير الذي لم يكن يريد التورط في هذا المأزق.

هذا جانب كوميدي من الدراما.

نعم. بدا خافيير واقعاً في حيص بيص، ووجهه كمن أمسك بجرم مشهود. لقد انكشف حجم دوره، حتى إن ضابط الموساد طلب مني أن  أتجاهله وألا أتحدث بالإنكليزية، وتركنا الضابط الإسباني نتحدث بالعربية.

ما مستوى ردود الفعل في وسائل الإعلام الإسبانية ومواقع التواصل؟

أحدثَ تقرير صحيفة "ببليكو" حول القضية هزة كبيرة ،وكان الخبر على رأس اهتمامات مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعية في إسبانيا لنهار كامل.

ما أكثر التعليقات التي لفتت نظرك؟

كثير منها كان يحكي أن الموساد يحكم العالم، وأن إسبانيا ما زالت فاشية، في إشارة إلى استمرار نهج نظام فرانكو (الجنرال فرانثيسكو فرانكو دكتاتور إسبانيا من 1939 حتى 1975).

هل أنت خائف الآن؟

بصراحة، أكثر من أي وقت سابق. هذا اليوم تلقيت اتصالاً من وكالة الأنباء الفرنسية، ومن مدير العلاقات الدولية في الكتلة اليسارية الموحدة في البرلمان الإسباني. من الواضح أن القضية أفلتت من أي قيود، وباتت تمس سمعة جهاز دولة. لكن في الجانب الآخر، هناك مراقبة دؤوبة لهاتفي المحمول، ويصل الأمر لدرجة أن يسخن، ولا أستطيع إمساكه بيدي. أخشى بسبب الضغط على "الحرس المدني" من عمل انتقامي سري.

معاذ حامد-  العربي الجديد

حامد: زوجتي في قلق دائم كلما غادرت المنزل (العربي الجديد)

لك أن تتخيل أيضاً حجم الضغط على زوجتي، التي تعيش في قلق دائم كلما غادرتُ المنزل، وعلى طفليّ عبيدة (خمس سنوات) وسوار (سنتان). في النهار لا أعاني بشكل عميق، لكن في الليل تهاجمني كوابيس، ومنها أن اعتقل في غمضة عين وأرحّل إلى فلسطين، حيث تنتظرني أسهل التهم التي يعرفها الفلسطيني: الخطر على أمن إسرائيل.

قال تقرير صحيفة "ببليكو" إن السفارة البلجيكية مدركة بالفعل أن عميلاً واحداً على الأقل للموساد يتظاهر بأنه جاسوس للمخابرات البلجيكية في إسبانيا. هل صرح أحد بمثل هذا؟

وقع التباس في التقرير. هذه قراءة الصحافي الذي كتبه. لم يرد أي تصريح من السفارة، ولا من أي مؤسسة وطنية. الجميع لزموا الصمت.

ما وقع معك أصبح في يد مكتب اللجوء؟ هل تلقيت دعماً منهم؟

أبدأ. لم أتلق ولو حتى مكالمة أو استفساراً بسيطاً.

هل تفكر في الرحيل من إسبانيا؟

أفكر في ذلك، إذا لم تحل القضية حتى الصيف المقبل. لقد ظننتُ أن إسبانيا بلد أوروبي آمن لي. لا يبدو الأمر كذلك.

هل تتوقع أن تستدعى مرة أخرى؟

لا أتوقع. إذا تم استدعائي ينبغي أن يحضروا أمر محكمة. لن أتحرك دون محاميتي.

المساهمون