بالوثائق... هكذا يستهدف "الموساد" فلسطينيي الخارج في دول أوروبية

مدريد
معاذ حامد
30 ديسمبر 2019
 
 
تلقى الثلاثيني الفلسطيني سعيد عامر (اسم مستعار للحفاظ على أمنه الشخصي) عام 2018 عدداً من الرسائل على حسابه في موقع شبكة LinkedIn للتواصل المهني، من شخص يسمي نفسه أمير دعدوع ويظهر من صفحته أنه مقيم في أمستردام، يطلب فيها التواصل مع عامر عبر البريد الإلكتروني، كونه يعمل في الموقع الهولندي Iamsterdam (متخصص بنشر كل ما يتعلق بأمستردام)، ولديه اهتمام خاص بالسياحة في تركيا، حيث يمكث عامر لدراسة الماجستير في الاتصال الجماهيري بإحدى جامعات إسطنبول، ويعمل على إنتاج مواد صحافية لجهات مختلفة.

ألحّ دعدوع على التواصل مع عامر، ما دفع الأخير للاستجابة إلى طلبه المتكرر وزوده ببريده، فتلقى منه طلباً بتصوير فيديو قصير عن السياحة في تركيا، مقابل 500 يورو (551 دولاراً أميركياً)، لم يفاوض دعدوع على المبلغ، وطلب بيانات عامر لإرسال الحوالة المالية له على دفعتين، الأولى قبل التصوير والثانية بعده، ما أثار الشكوك في نفس عامر.

عقب أسبوع وصلت الحوالة المالية رقم MTCN: 502-353-9389 لعامر، وطلب منه دعدوع استلامها، لكن اسم المرسل كان Dara Dabak، بينما كان مصدرها جورجيا، وعندما تلقى عامر الدفعة الثانية من المبلغ عبر موني غرام، (حوالة رقم 47235148) وصلته من المرسل gheorghe cristian stef في رومانيا، ووردت إليه تفاصيلها عبر رقم "واتساب" هولندي، فأثار اختلاف اسم المرسل ومكانه في كل مرة مخاوف عامر وجعله مقتنعاً بأن أمير دعدوع وراءه جهة مشبوهة.



حوالات مالية مجهولة المصدر

كانت الحوالة الواردة لسعيد عامر في الرابع من نوفمبر / تشرين الثاني عام 2018 من ilia Kalandadze في جورجيا، برقم MTCN:922-282-6185، لكن ويسترن يونيون رفضت صرفها بسبب عدم تأكدها من شخصية المرسل، إذ كان من الضروري تقديم نسخة من جواز سفره، وهو ما نقله عامر لدعدوع الذي أعاد إرسالها، لكن الشركة أوقفتها لذات السبب، ما دفع دعدوع إلى التحويل عبر موني غرام باسم مختلف.

خلال تلك الفترة، وصلت عامر مجموعة من الرسائل عبر البريد الإلكتروني من دعدوع، تتعلق جميعها بتفاصيل الحوالات، حيث قام عامر بتتبعها عبر وضع IP address على موقع whatismyipaddress لاستخراج الأماكن الجغرافية، فكانت النتيجة أن بعض الرسائل البريدية مصدرها أمستردام، بينما قادت نتائج تتبع رسائل أخرى إلى ولاية كينساس الأميركية، ما أكد شكوكه.


 
 
 

استدراج نحو التجنيد

طلب دعدوع من عامر تصوير فيديو عن التحولات الدينية من العلمانية إلى الإسلام في تركيا، وتصوير المرأة المحجبة، لكن دعدوع سرعان ما اختفى وانتقلت ملكية رقم هاتفه إلى شخص آخر، حسب ما شرح الأخير لعامر عندما حاول التواصل مع الرقم.

واستمر اختفاء دعدوع ثلاثة أشهر متواصلة، ثم اتصل بعامر من رقم جديد يستفسر فيه عن فيديو المرأة المسلمة في تركيا، زاعماً أنه فقد هاتفه في إسبانيا، وأبلغ عامر بتحويل 650 يورو (716 دولاراً أميركياً) عبر ويسترن يونيون، وكان مرسل الحوالة هذه المرة Nukri Davitadze من جورجيا ورقمها MTCN:318-602-8249.

ولم يقتصر التواصل بين دعدوع وعامر على تكليفه بتصوير مقاطع الفيديو، بل طلب لقاء الشاب الفلسطيني في واحدة من الدول: جورجيا أو رومانيا أو بلغاريا، وتكفل بتسهيل إجراءات التأشيرة له، ثم جرى الاتفاق على ذهاب عامر إلى كوبنهاغن لتغطية مؤتمر فلسطينيي أوروبا الذي تشارك فيه الجاليات الفلسطينية في إبريل/نيسان الماضي، على أن يلتقي بدعدوع في أحد الفنادق هناك، حيث سيحضر لتغطية المؤتمر لصالح الجهة التي يعمل بها، كما أبلغ عامر، ووعده بإرسال مبلغ 1000 يورو (1102.13 دولار أميركي) لتغطية تكاليف سفره ووعده بالتمكن من استخراج تأشيرة شنغن.

"في تلك اللحظة، شعرت بجدية التهديد المتعلق بما قد يحدث معي في أوروبا، ولذلك قررت التوقف تماما"، يقول عامر لـ "العربي الجديد"، فامتنع عن استلام الحوالة، وحظر دعدوع عبر واتساب، لكن الأخير استمر بالاتصال به من أرقام بلجيكية وهولندية تحمل جميعها عناوين مراكز إسلامية وهمية، مثل المركز الإسلامي في بلجيكا والجالية الإسلامية في هولندا، بحسب برنامج "True Caller".



وعزز اختلاف لهجة دعدوع في المكالمات الهاتفية مخاوف سعيد، إذ كانت مزيجاً من اللهجات الفلسطينية، وهذه عادة يكتسبها ضباط المخابرات الإسرائيلية من خلال خبرة ميدانية أثناء الخدمة العسكرية في عدد من المدن، وفقاً للأسير المحرر مسؤول ملف أسرى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين علام الكعبي.

ويؤكد الكعبي بعد استماعه للمكالمات المسجلة لدعدوع أن المتكلم هو من مناطق فلسطين التاريخية، مع احتمالية أن يكون ضابطاً عربياً يعمل مع الاحتلال، حيث يتركز عمل هؤلاء على التغلغل في المجتمع الفلسطيني والعيش داخل القرى والبلدات الفلسطينية، ما يكسبهم اللهجات المختلفة وفقاً للكعبي.
 
 
 

تتبع رسائل البريد

في السادس عشر من إبريل/ نيسان من عام 2019، تلقى عامر رسالة من دعدوع عبر البريد الإلكتروني، يطلب فيها استكمال العمل معه، فعمل عامر على تتبع IP adress من خلال استعانته بموقع techadvisor المتخصص في تقديم النصائح حول إخفاء الموقع الجغرافي، ليجد أن الموقع الجغرافي للمرسل هو تل أبيب، قرب ساحة إسحق رابين، حيث مقر المخابرات الإسرائيلية، وأرسلت الرسالة من خلال مشغل الإنترنت الإسرائيلي بيزيك، من دون أن يستخدم المرسل خدمة VBN، التي تتيح للمستخدم من خلال عدد من البرامج، منها ما هو مجاني والآخر مدفوع، أن يغير موقع اتصاله الحقيقي، وفقاً لمطور البرمجيات أحمد يوسف والذي يعمل في شركة إلكترونيات دولية بعمّان، وهو الخطأ الذي وقع فيه دعدوع وقاد عامر إلى كشف موقعه الحقيقي كما أضاف.




وتستخدم المخابرات الإسرائيلية الأساليب الآمنة في عمليات التجنيد، لكن هذا لا يمنع من وقوع خطأ، بحسب مستشار الأمن القومي في وزارة الداخلية الفلسطينية ونائب عميد كلية الشرطة في غزة إبراهيم حبيب، موضحاً أن الموساد يستخدم جهات خارجية للحصول على معلومات استخبارية من خلال واجهات اجتماعية أو اقتصادية، مثل الشركات، أو المنظمات الأهلية، وكذلك الصحافة، أو مؤسسات الدعم الطلابي.

وتعتبر مخابرات الاحتلال العمل من خلال المنظمات الدولية والإنسانية أمراً استراتيجياً، بسبب التسهيلات التي تحصل عليها تلك المنظمات للتحركات وتنظيم الأنشطة، وإرسال الحوالات البنكية أيضاً، بحسب الأسير المحرر الكعبي.


 

 
 

 

التجسس تحت مظلة المنظمات الإسلامية

لم تتوقف محاولات الموساد الإسرائيلي عن توريط فلسطينيين في الخارج للتعاون معهم، بغية التجسس على التنظيمات الفلسطينية في أوروبا، وفقاً لمصدر أمني في المخابرات الفلسطينية طلب عدم الكشف عن اسمه.

وقال المصدر، إن حالات أخرى كثيرة مشابهة لقصة عامر حدثت ما بين 2016-2019، والتقى خلالها المُستهدفون مع تلك الشخصيات التي تدعي العمل لصالح القضية الفلسطينية وتتوارى تحت مظلة من المنظمات الخيرية الإسلامية الوهمية، مشيراً إلى حادثة مشابهة لشاب جرى التواصل معه باسم منظمة إسلامية زعموا أنها تعمل في هولندا، وطلبت منه إعداد تقارير عن فلسطين لمدة عام كامل، ومن ثم ساعدوه في الحصول على فيزا شنغن للدخول إلى إحدى دول شرق الاتحاد الأوروبي، للقاء أعضاء المنظمة في أحد فنادق أمستردام، ليجد حينها أن ضباطا في الموساد الإسرائيلي رتبوا لكل ذلك، وحاولوا تجنيده للعمل معهم بإغرائه بالمال.

ويعمل الاحتلال الإسرائيلي من خلال شبكة من الشركات الوهمية في كل من جورجيا ورومانيا وإيطاليا وهولندا وبلجيكا، لاستقطاب الشباب الفلسطينيين الباحثين عن العمل في مجالات عديدة، كالبحث العلمي في العلوم الاجتماعية والسياسية، التصوير والأفلام، والصحافة، كما يستهدف النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، وفقاً للمصدر.

ويتطابق ما كشفه المصدر مع ما نشر في كتاب (علم المخابرات- الجاسوسية) المنشور عام 2014، من تأليف المتخصصة بالعلاقات الدولية حنان اخميس، أن إحدى أشهر أساليب المخابرات الإسرائيلية "الموساد" في عمليات التجنيد هو استخدام غطاء لجان المشتريات وشركات السياحة، وشركة طيران العال، ومكاتب شركة الملاحة، ومؤسسات البناء والأعمال والشركات الصناعية والمنظمات التجارية الدولية والإسرائيلية، بالإضافة إلى تجنيد بعض الطلاب العرب الدارسين في الخارج عن طريق استخدام نقاط الضعف".

 

تنسيق استخباري مع الدول الأوروبية


حصل الأسير الفلسطيني المحرر سليم مرعي (اسم مستعار) على منحة للدراسات العليا في إحدى دول أوروبا عام 2016، وقرر خلال دراسته التقدم بطلب لجوء إلى تلك الدولة لعدم تمكنه من العودة إلى الضفة الغربية خوفاً من اعتقاله مرة أخرى.


ضمن إجراءات النظر في طلب اللجوء الذي تقدم به مرعي، استدعي لمقابلة أمنية لدى شرطة الدولة المعنية، والتي يجب أن تتم بحضور محام محليّ تعينه الدولة، لكنّ سليم فوجئ بضابط مخابرات إسرائيلي ينتظره، يعرفه جيداً لأنه حقق معه خلال اعتقاله عام 2013.

حاول ضابط المخابرات إقناعه بالتعاون معهم، لكن مرعي رفض وتوجه لمحاميه طالباً منه رفع قضية بحق الشرطة لسماحها لضابط أجنبي بالتحقيق معه داخل أراضيها، وهذا مخالف للقانون الساري فيها.

وخوفاً من الفضيحة التي ستحدث بسبب القضية، توصلت الداخلية لتسوية قانونية، يتم من خلالها سحب القضية ومنح الإقامة الدائمة لمرعي، الذي طلب إخفاء اسمه تجنباً لعرقلة سفره إلى فلسطين.

بالعودة إلى كتاب اخميس نجد أن علاقات وثيقة تربط الموساد بالدول الغربية، وخاصة مع مخابرات حلف شمال الأطلسي، إذ قد يشارك ضباط الموساد في التحقيق مع الموقوفين أو طالبي اللجوء العرب في تلك الدول، مستغلين ذلك لكسب عملاء لهم.

وتتعدد الواجهات التي يستخدمها الموساد الإسرائيلي خارجياً للحصول على معلومات عن الجاليات أو التنظيمات الفلسطينية، وهو ما يفسر رصد ميزانية ضخمة تقدر بملياري دولار سنوياً للموساد، كما يوضح حبيب لـ "العربي الجديد"، مشيراً إلى أن الهدف الرئيسي من عمليات التجنيد الحصول على معلومات دقيقة، لتسهيل عمليات الاستهداف والإجراءات التي قد تمارسها إسرائيل على أرض الواقع.