أحمد الحسني (1/ 2): "رغم الإرهاب والتشدّد ظلّ المهرجان حاضراً"

أحمد الحسني (1/ 2): "رغم الإرهاب والتشدّد ظلّ المهرجان حاضراً"

24 يوليو 2023
أحمد الحسني: من الرياضيات والنضال والسجن إلى السينما (العربي الجديد)
+ الخط -

 

أحمد الحسني ناقد سينمائي مغربي، انخرط في النشاط السياسي منذ أنْ كان طالباً جامعياً. انضمّ إلى نقابة محظورة للتلاميذ، ثم انتقل إلى تنظيم يساري. توقّع الجميع له مكانة مرموقة في الهندسة والرياضيات، لكنّه اعتُقل وأمضى 5 أعوام في السجن. بعد خروجه منه، أخذته السينما، فسار في دروبها التثقيفية، إلى أنْ أصبح رئيساً لـ"مهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسّط" أعواماً عدّة.

الدورة الـ28 للمهرجان، المُقامة بين 3 و10 مارس/آذار 2023، شهدت تقدّماً ملحوظاً، وبرامج جديدة لافتة للانتباه، أثارت صدى جيّداً، خصوصاً في المختبرات والورش الاحترافية السينمائية.

في هذه المناسبة، حاورته "العربي الجديد" في مسائل سينمائية ونضالية مختلفة.

 

(*) هل تفكّر في تعاون بين المهرجان والمدارس لتنمية وعي الطلاب، وجذبهم إلى قاعات المهرجان وعروض أفلامه بدرجة أكبر، كما فعلت مع وزارة الصحة وإدارة السجون؟

هناك اتفاقية قديمة بين المهرجان ووزارة التربية والتعليم، اشتغلنا عليها لـ8 أعوام، نتيجتها حضور الأطفال الصغار إلى قاعات السينما، خصوصاً في "المركز الفرنسي" لحضور أفلام الأطفال. يتزايد حضور الطلاب والتلاميذ في العروض المغربية. في السنة الدراسية، تُقيم المؤسّسة المُنظِّمة للمهرجان عروضاً خاصة بهم في المدارس. لكنّ الطلاب يتحرّكون، فيكونون اليوم في تطوان وغداً في مدينة مغربية أخرى. لا ثبات، علماً أنّ أغلب سكّان تطوان من الشباب.

عموماً، هذه الاتفاقية يمكن إعادة النظر فيها، وتطويرها.

 

(*) لاحظتُ وجود أنشطة للمهرجان على مدار السنة. كأنّكم تشتغلون على جمهور المهرجان باكراً. مثلاً، هناك ندوة عن المخرج الفرنسي جان ـ لوك غودار مع عرض لأفلامٍ له. هناك أيضاً عروض تحتفل بالسينما التركية، قبل الدورة الأخيرة بأشهر عدّة. بعد ذلك، أُعلن أنّ السينما التركية ضيف هذه الدورة، وأوجدتم مساحة أخرى للحديث عن غودار في فعالياتها. كأنّ المهرجان يسعى لتهيئة الجمهور.

لدينا مؤسّستان تتكامل إحداهما مع الأخرى. "جمعية أصدقاء السينما بتطوان" تنظّم ملتقيات سينمائية، تحوّلت إلى "مهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط". ثمّ تأسّست "مؤسّسة المهرجان"، التي تضمّ أهم الشركاء الثقافيين، مع "جمعية أصدقاء السينما"، التي تُقدّم طوال العام عروضاً سينمائية، وتنظّم ندوات ولقاءات، منها ما تمّ حول السينما التركية، وإقامة عروض في الهواء الطلق في الصيف. لهذه الجمعية دور كبير في الأعوام الأولى بعد التأسيس، وأوجدت نوعاً من وعي نقدي ساهم في تغذية النقّاد في المغرب، الذين يُمكن القول إنّ تطوان مدرسةٌ لأغلبهم. المهرجان أكثر انتظاماً في العروض وتنظيم دورات سنوية. و"جمعية النقّاد المغاربة" موجودة هنا في تطوان. لذا، أصبح المهرجان مدرسة تطوير في مجال النقد.

 

(*) تأسّس المهرجان عام 1985. نحن اليوم عام 2023، والدورة الأخيرة تحمل الرقم 28. أين ذهبت الأعوام الـ10 الأخرى؟

في البداية، كان يُنظّم المهرجان مرّة واحدة كلّ عامين، كقرطاج ودمشق. "مهرجان القاهرة" كان الوحيد الذي يُقام سنوياً. آنذاك، لم يكن هناك إنتاج سينمائي كثير في المغرب، وفي العالم العربي. الدورة الأولى مغربية، والثانية مغربية إسبانية، والثالثة مغربية فرنسية. الدورة الرابعة متوسّطية، والفضل في ذلك عائد إلى نقّاد كبار، حضروا الدورة الثالثة، وأشاروا إلى ضرورة أنْ يكون للمهرجان خيار ثقافي وانتماء محدّد، فاختير "المتوسّط"، لأنّ هناك علاقة كبيرة لنا مع الهوية المتوسّطية. "مونبلييه" مهرجان كبير، وعلاقتنا به قوية. هناك "مهرجان الإسكندرية" أيضاً، لكنّه لم يكن مُنتظماً. عندها، طُرح سؤال: لماذا لا يؤسَّس مهرجان متوسّطي في شمال إفريقيا، كي يحضر المتوسّط في هذه المنطقة؟

 

(*) هل واجه هذا الخيار الثقافي صعوبة ما؟

طبعاً. اختيار المتوسّط صعبٌ. أتحدّث عن فترة الثمانينيات الفائتة، عندما كان الصراع العربي الإسرائيلي متأجّجاً جداً. عندما طُرحت كلمة "المتوسّط" حينها، بدت كأنّنا نطرحها كفضاء لإسرائيل. تعرّضنا لانتقادات كثيرة جداً من نقّاد سوريين ومصريين، وبعض العراقيين. كان هناك تفكيرٌ يُشكِّك في هذا الاختيار، ورُفعت علامات استفهام على كلمة "المتوسّط". اعتبروا أنّ التلفّظ بها فيه نوعٌ من الغموض، وتدور حوله أمور في السياسة.

 

(*) كيف واجهتم هذه الشكوك؟

كان مهمّاً عدم تجاهل الشكوك. كان لا بُدّ من وجود امتياز في الدورة الرابعة، تمثّل بوجود اسمين عربيين كبيرين: يوسف شاهين وصلاح أبو سيف. فشاهين متصالحٌ مع الآخر ومنفتحٌ عليه وعلى أوروبا والعالم العربي، وأبو سيف يمثّل التوجّه القومي العربي. هذا أعطى انطباعاً بأنّ "مهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسّط" يُمكن أنْ يكون مهرجاناً عن دول المتوسّط من دون تطبيعٍ مع إسرائيل.

كان هناك تفاعلٌ كبير مع إخواننا في مصر، ومع سوريين وعراقيين، ومع لبنان وتونس. هناك الآن تحوّلات كبيرة في القضية الفلسطينية والعلاقات بين دول عربية وإسرائيل. لكنْ، ظلّ التطبيع قضية وإشكالاً، ليس سهلاً التعامل معهما.

 

(*) اختياركم يوسف شاهين، حينها، كان يُمكنه أنْ يكون ضد المهرجان، لأنّ البعض كان يُصنّفه بأنّه مع التطبيع، بخاصة بعد "إسكندرية ليه"، الذي يفسّره البعض على أنّه دعوة إلى التسامح والتطبيع مع إسرائيل. لذا، أرى في اتّخاذ هذا جرأة ومخاطرة.

حاولنا قدر الإمكان دعوة اسمين كبيرين، لا واحد فقط، لإيجاد التوازن، وفي الوقت نفسه نصنع هوية متوسّطية للمهرجان تكون منفتحة، عبر شاهين المتواصل مع الآخر والغرب. بالإضافة إلى تمثيل الهوية العربية عبر أبو سيف. لم يكن الاختيار لنا وحدنا فقط، إذْ شاركتنا فيه "دفاتر السينما"، بتولّيها مسؤولية حضور شاهين وجلب أفلامه. إدارتها أقنعت منتجه الفرنسي أمبير بلزان بإحضار نسخ جديدة منها، كـ"حدوتة مصرية" و"إسكندرية ليه". نحن أحضرنا أبو سيف وأفلامه، كـ"القاهرة 30" و"السقا مات". انقسمت الأيام إلى جزأين: 4 أيام لأبي سيف، و4 لشاهين، اللذين لم يلتقِ أحدهما الآخر. كان شاهين يستعدّ للمغادرة في المطار، بينما كان يُستَقبل أبو سيف.

 

 

(*) يبدو أنّ شاهين أعْجِب بتجربة المهرجان، لأنّه شارك فيه مراراً.

شاهين سَعِدَ بالتجربة، وجمهوره كبير جداً، وحصل تزاحم وتدافع، خصوصاً عند عرض "حدوتة مصرية". رغم هذا، أصرّ على الدخول مع الجمهور من الباب الرئيسي. قلتُ له: "هذا مستحيل. لا بُدّ أنْ ندخل من باب جانبي حتى لا يراك الجمهور فيتدافعوا عليك". لكنّه أصرّ، وقال: "أريد أنْ أشاهد الفيلم كما يشاهده الجمهور المغربي. فقط لا تنطق باسمي، واتركنا ندخل معه". رغم التدافع، كان سعيداً بهذه التجربة. شعرتُ بفرحه.

أبو سيف جاء مرّة واحدة، وشاهين 4 مرّات. إحداها مع "المهاجر"، وكان هناك اعتراض كبير عليه من المسؤولين في المغرب. كان العرض الثاني له بعد تونس، فكان الحضور قوياً، وأقيم نقاشٌ ثري.

هذا الخيار المتوسّطي حاولنا أنْ نضمن له الاستقلالية، وأنْ يكون مُنفتحاً على الآخر، ويتعامل معه بمساواة وحبّ.

 

(*) مرّ المهرجان بتحوّلات، سببها التحوّلات السياسية في المنطقة العربية ومنطقة المتوسّط حينها، منها الصراع العربي الإسرائيلي، والإرهاب في التسعينيات. كذلك حكم المتشدّدون دينياً مدينة تطوان في 12 عاماً. هل أثّرت تلك التحوّلات بهوية المهرجان وتوجّهه؟

انتقلنا من الصراع العربي الإسرائيلي الحادّ إلى الإرهاب. أفلامٌ كثيرة تناولت هذا الموضوع، فاخترنا بعضها. بالتأكيد تأثّر المهرجان بما يدور في منطقة المتوسّط، التي كانت هادئة وأصبحت حينها منطقة حروب، تشهد دماء أناسٍ يهاجرون بطرق غير مشروعة، وجثثهم ملقاة في البحر المتوسّط. هذا موضوع عدد كبير من الأفلام، التي عرضنا بعضها، ونظّمنا ندوات عنها، وعن الإرهاب والفكر الديني المتطرّف والمتعصّب، وعن الهجرة السرية.

رغم تأثّرنا بالإرهاب والتشدّد، تمكّنا من التعايش معهما، وظلّ المهرجان حاضراً في كلّ التحولات، وقادراً على المحافظة على هويته.

 

(*) في الدورة الـ28، كانت هناك إضافات مهمّة، أثبتت نجاحها، رغم أنها تحدث للمرّة الأولى، كالمختبرات والورش الاحترافية. كيف أعِدَّ لها؟

شغلتنا الفكرة في زياراتنا مهرجانات صديقة في أوروبا، تستضيف محترفات، كتورينو في ايطاليا، ومونبلييه في فرنسا، إلى القاهرة ومرّاكش والأردن. حضرتُ مختبرات "مهرجان القاهرة" مرّات، وهذا أفادني كثيراً. تابعتُ محترفات أخرى، اشتغلت معها لأتعرّف عملياً إلى التفاصيل الدقيقة: كيف يشتغلون؟ كيف يجري التعامل والتدريب؟ تدرّبت على هذا 4 أعوام، فعرفت حيثيات عدّة. كذلك أقمت علاقات متعدّدة مع أصحاب المحترفات، إلى أنْ شعرتُ بإمكانية إطلاق المحترفات في الدورة الـ28 هذه. أقصد الإمكانات المادية واللوجستية.

المساهمون