مصارف لبنان في قفص المحاكمة: استجواب محافظ "المركزي" وتداعيات مالية

مصارف لبنان في قفص المحاكمة: استجواب محافظ "المركزي" وتداعيات مالية خطيرة

15 ابريل 2021
الصورة
من احتجاج في بيروت ضد سياسات المصرف المركزي (حسين بيضون)
+ الخط -

أعلن القضاء اللبناني، أمس الأربعاء، عن الاستمرار في استجواب حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة، إذ رفضت دائرة قضائية كافة الدفوع الشكلية المقدمة من وكيل المدعى عليه، وعينت القاضي لارا عبد الصمد، جلسة مخصصة لاستجواب سلامة، بتاريخ 13 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل.

وقالت الدائرة القانونية لمجموعة "الشعب يريد إصلاح النظام" التي تقدمت بالدعوى، إنّها "نالت شرف الادعاء الأول ضد حاكم مصرف لبنان، وجعلته مجبراً على المثول أمام القضاء الجزائي لاستجوابه ومحاكمته عن الجرائم المنسوبة إليه".

وقال محامي المجموعة، جاد طعمة، لـ"العربي الجديد" إنّ "كلّ البنوك والمصارف اللبنانية مرتبطة مع مصارف المراسلة الخارجية، وكلّ شيء يحدث في لبنان يجب أن يتم تحت إشراف حاكم مصرف لبنان، من هنا تسقط جميع محاولات التبرير والتهرّب من المسؤولية بأنّ السلطة السياسية فرضت على مصرف لبنان القيام بتدابير نقدية معينة".

وأضاف أنّ "الحكومة تدير السلطة السياسية في البلد والأداء السياسي العام في لبنان، فيما يعدّ حاكم البنك المركزي المسؤول الأول عن القرارات المتعلقة بالسياسة النقدية، ويفترض به أن يكون صاحب الاختصاص".

وأضاف أنّ "رمي حاكم مصرف لبنان المسؤولية على الحكومة وقرارها السياسي والتدابير التي اتخذت، والنأي بنفسه عنها، لا يمكن أن ينطلي علينا كمحامين أو خبراء اقتصاديين ومعنيين في الملفات، وكان يمكن لسلامة تعبيراً عن رفضه وإدانته للقرارات والخطوات التي اعتمدت، أن يخرج الى العلن ليفصح عن الأمور ويصارح الناس وألاّ يتستر على أحد".

وتابع: "كان بإمكانه أيضاً القيام بردّة فعل تظهر اعتراضه، مثل الاستقالة بدلاً من الصمت المطبق في ظلّ سرقة ودائع الناس، وما ينشر من أخبار عن تبخر الأموال في المصارف".

ورأى طعمة أنّ "سمعة المصارف اللبنانية باتت على المحك، وهناك مصارف مراسلة تقول إنّها لا تريد تغطية المصارف اللبنانية، بل ترفض التعاطي مع أيّ إنسان لبناني يملك حساباً في المصارف اللبنانية، وهناك تأشيرات سفر قد تتأثر أيضاً، بعدم إعطائها للبنانيين، باعتبار أنّه ليس هناك كفاية مادية عند المسافر، وتفاصيل أخرى ستعمِّق الأزمة وتكبر نقمة الناس على هذه السياسة النقدية التي أثبتت بعد فترة طويلة من الاستقرار الوهمي فشلها".

وقال إنّ السبب في الأزمة يعود إلى "الديمقراطية التوافقية ونظام المحاصصة وتغليب السياسة على القرارات الاقتصادية العلمية الحكيمة" مؤكداً أنّ "السياسة تفسد كلّ شيء، وفي لبنان طبقة سياسية امتهنت النهب، ونحن، للأسف، ندفع آثار فسادها".

وبات حاكم مصرف لبنان محاصراً بالملفات القضائية التي تطاوله داخلياً وخارجياً، وعرضةً للضغوط والضربات التي كان سبق أن تطرق إليها في رسالته إلى النائب العام لدى محكمة التمييز، القاضي غسان عويدات، بإشارته الى أنّ علاقة مصرف لبنان المالية بالمراسلين والمصارف الدولية تعرضت، وما زالت، لاهتزازات سلبية ستنعكس على مصرف لبنان وعلى القطاع المصرفي بشكل غير مريح، مما يضع البلد في وضع تصعب معه التحويلات الخارجية وشراء السلع الأساسية ودعمها، كما الاستحصال على عملات نقدية أجنبية لتسيير المرافق الاقتصادية المختلفة.

وقال سلامة في كتابه، "أقفل مؤخراً مصرف Wells Fargo ومصرف HSBC حسابي مصرف لبنان لديهما بالدولار الأميركي والجنيه الإسترليني. كذلك، فعل مصرف Danske الدنماركي وأقفل حسابنا بالكورون السويدي لديه، مما ترك مصرف لبنان من دون مراسل خارجي بهذه العملة. وقد أوقف مصرف CIBC الكندي تعاملاته كافة معنا، وأعاد ودائعنا الموظفة لديه".

وربط حاكم مصرف لبنان هذه الإجراءات بأسباب عدة "أهمها قرار الحكومة اللبنانية بعدم تسديد سندات اليوروبوند، والحملات السياسية الدعائية ضد مصرف لبنان وأنشطته ومصداقيته، والضجة القضائية واستغلالها الإعلامي والسياسي داخل لبنان وخارجه، مما زرع شكوكاً لدى مراسلينا والمصارف الكبرى التي نتعامل معها منذ عشرات السنين".

وشدد على أنّ "الوضع صعب جداً، وأصبح لدينا مصرف واحد هو جيه بي مورغان، الذي يقبل بتعزيز الاعتمادات المستندية التي نصدرها لاستيراد المحروقات وغيرها لصالح شركة كهرباء لبنان ووزارة الطاقة وبعض إدارات القطاع العام، وذلك مقابل مبالغ تودع لديه بقيمة لا تقلّ عن مجموع مبالغ الاعتمادات المستندية، وهو يرفض، حتى تاريخه، تعزيز اعتماد مستندي لصالح شركة كونبي ليفت الألمانية، لرفع مستوعبات من مرفأ بيروت تحتوي على مواد كيميائية خطرة".

في المقابل، اعتبر المحامي من مجموعة "الشعب يريد إصلاح النظام" هيثم عزو، في حديث مع "العربي الجديد" أنّ رسالة سلامة "تأتي في خانة محاولة استعطاف سلطة الملاحقة... الغريب في الرسالة أنّها تحمّل التحركات القضائية ضد المصارف والمصرف المركزي مسؤولية إفلاس المصارف والوضع الاقتصادي والنقدي المتردّي".

وقال عزو: "كان الأجدى بحاكم المصرف المركزي أن يمارسَ صلاحياته ومهامه المنصوص عنها في قانون النقد والتسليف، الذي يلزم المصرف المركزي بثلاث مهام أساسية، هي سلامة النقد الوطني، وسلامة القطاع المصرفي، وسلامة الأوضاع الاقتصادية".

وشدد على أنّ "الأهم من كلّ ذلك، أنّه بعد تهريب المصارف رؤوس أموالها إلى الخارج وبيعها ديون الدولة السيادية إلى الخارج (يوروبوند) وتوقفها عن الدفع وتسديد المستحقات المالية المُلزَمة بها قانوناً وتوقفها أيضاً عن إعطاء المودعين ودائعهم الموجودة لديها والذين أمنوها عليها، كان الأجدى، أن يعمد حاكم مصرف لبنان، وبحسب القانون، إلى إعلان إفلاسها، ثم يحيل كتاباً في هذا الخصوص إلى النائب العام التمييزي لملاحقتها جزائياً بحسب قانون العقوبات بجريمة الإفلاس الاحتيالي أو التقصيري، لا أن يرسلَ إليه كتاباً لا يسمن ولا يغني من جوع".

ومنذ أكثر من عام، يعيش لبنان أسوأ أزمة اقتصادية منذ انتهاء الحرب الأهلية عام 1990، أدت إلى انهيار مالي غير مسبوق، وتراجع حاد في احتياطي العملات بالمصرف المركزي، وارتفاع جنوني بأسعار السلع الغذائية والمحروقات، لتشهد الأسابيع الأخيرة ذروة الانهيار المعيشي.

وارتفع معدل الفقر في البلاد، خلال العام الماضي، إلى 55%، بينما تزايد معدل الذين يعانون من الفقر المدقع بثلاثة أضعاف، من 8% إلى 23%، وفقاً لتقرير حديث صادر عن لجنة الأمم المتحدة الاجتماعية والاقتصادية لغربي آسيا "إسكوا".

المساهمون