غلاء الألبسة يدفع السوريين إلى "البالة" لإسعاد أطفالهم بالعيد

غلاء الألبسة يدفع السوريين إلى "البالة" لإسعاد أطفالهم بالعيد

20 ابريل 2023
إكساء الطفل أعلى بكثير من الدخل الشهري لأية أسرة (فرانس برس)
+ الخط -

"ليس مهماً أن ألبس أنا الجديد، لكن الأطفال يفرحون بلباس العيد"، هذا ما قالته منيرة جقمور من دمشق، رداً على سؤال "العربي الجديد" عن أسعار ألبسة عيد الفطر في الأسواق السورية وقدرة الأسر على شرائها، مضيفة أنّ أكثر من 95% من السوريين غير قادرين على شراء ألبسة العيد "حتى لولد واحد".

ذلك أنّ إكساء الطفل أغلى "بكثير" من الدخل الشهري لأي أسرة، "فالبنطال الذي كان يباع بعشرين ألفاً قبل عامين، يزيد سعره اليوم على 60 ألف ليرة"، حسبما قالت جقمور، مشيرة إلى أنّ لديها 3 أولاد، وهي وزوجها يعملان، و"لكن لا يمكن صرف الراتبين على شراء قطعة لكل ولد، فبالحد الأدنى تحتاج الأسرة إلى مليون ليرة لشراء ألبسة وأحذية على العيد". (الدولار 7650 ليرة الآن، فيما كان 50 ليرة عام 2011).

وتضيف مدرسة الرياضيات أنها تحصّل بعض الأموال الإضافية من الدروس الخاصة، لكن المورد بالكاد يكفي للعيش بواقع غلاء الأسعار جميعها بأكثر من 100% عن العام الماضي، معتبرة أنّ إطعام الأولاد "أهم من لباسهم".

وتشير جقمور إلى أنّ زوجها العامل بوزارة الكهرباء "لن يشتري لباس العيد"، لافتة إلى أنّ "سعر الطقم الرجالي بين 500 و600 ألف ليرة سورية، ونزلنا إلى سوقي الصالحية والحمرا فصعقتنا الأسعار وعدنا من دون شراء أي شيء".

وتشهد أسواق الألبسة بدمشق ركوداً حاداً بسبب ارتفاع الأسعار وعدم قدرة السوريين على اقتناء ولو قطعة لباس واحدة، كما يقول العامل في القطاع التجاري منير شباط من دمشق الذي أكد لـ"العربي الجديد" أنّ "لباس طفل لا يقلّ هذا العام عن 200 ألف ليرة، وإن أضفنا سعر الحذاء الذي لا يقلّ عن 75 ألف ليرة، فنحن نتكلم عن دخل موظف لثلاثة أشهر".

اقتصاد الناس
التحديثات الحية

وفيما قدّر شباط تكلفة ألبسة العيد للأسرة السورية (متوسط 5 أفراد) بنحو مليوني ليرة سورية، أشار إلى ارتفاع أسعار الألبسة بنحو 300% بين عيد العام الماضي وهذا العام، معتبراً أنّ تراجع سعر صرف الليرة هو السبب الأول، وأنّ تكاليف الإنتاج من مواد مستوردة ومشتقات نفطية وكهرباء بأسعار مرتفعة وأجور العمالة، تأتي ثانياً، "لنكون أمام أسعار بالمختصر ليست للشعب السوري الذي لا يزيد دخله الشهري على 100 ألف ليرة سورية"، كما يقول. 

وعن مصادر بعض السوريين الذين يشترون الألبسة والأحذية، رغم عدم تناسب دخلهم مع الأسعار، يختصر شباط بقوله: "التحويل الخارجي يستر السوريين"، مبيناً أنّ "الـ200 دولار أو يورو التي يرسلها الابن أو الأخ المهاجر تسد تلك الفجوة وتمكّن بعض الأسر من شراء ألبسة أو حلوى أو طعام العيد، ولكن من لا مغتربين لهم، فصدقوني يكتفون بالنظر والحسرة أو البحث عن بسطات ستوكات".

وتنتشر في الأزقة وعلى الأرصفة في دمشق، بسطات بيع الألبسة السورية "عدا المستعملة المستوردة"، وهي بحسب مصادر من نوع "سقط وستوكات" سواء لناحية الأقمشة أو التفصيل، لذا تباع بأسعار أقل من السوق، وتلقى تلك الأنواع، بحسب المصادر، إقبالاً أكثر من المتاجر والمولات التي تضيف تكاليف المحال من ضرائب، وطاقة، وإيجار وعمالة، مبينة أنّ سعر بنطال الجينز على تلك البسطات يقدر بنحو 30 ألف ليرة، والأحذية الرياضية بنحو 30 ألف ليرة مع مقاسات مختلفة للأطفال والكبار.

كذلك ينشط مبيع محال الألبسة الأوروبية المستعملة "البالة" خلال فترة العيد بأسواق العاصمة السورية، فهي بحسب السوريين، أكثر جودة وتعمّر طويلاً وبنصف السعر، فسعر حذاء الرياضة الرجالي الذي يباع بـ150 ألف ليرة في محال منطقة الحمرا أو الصالحية أو الشعلان، يقدر بنحو 50 ألف ليرة بالبالة، وعرضت تشكيلة ألبسة أطفال، خلال أسبوع ما قبل العيد، بمنطقة الحجاز وسوق مدحت باشا وحي الميدان بدمشق.

ويقول الصناعي السوري، محمد طيب العلو، عن أسباب ارتفاع أسعار الألبسة، والولادية خصوصاً، إنّ تكاليف الإنتاج مرتفعة، وليس صحيحاً أنّ أسعار الألبسة مرتفعة، بل العملة منخفضة والدخل منخفض، فلو قسنا سعر أي لباس بالدولار، فسنجد أنه السعر نفسه تقريباً عام 2011".

ويضيف العلو، لـ"العربي الجديد"، أنّ "المستهلكين يظنون أنّ الصناعيين أو التجار هم من يرفعون الأسعار، ولا يأخذون بالاعتبار سعر الكهرباء الذهبية بالمنشآت، ولا سعر المازوت الخاص، ولا أجور العمالة أو أسعار المواد الأولية، كالأقمشة والأكسسوارات"، مبيّناً أنّ "ارتفاع أسعار ألبسة الأطفال، أكثر من غيرها، هو بسبب الدقة العالية في صناعة تلك الألبسة والتصاميم الخاصة والمتجددة التي يدخل بصناعتها أكثر من لون ونوع قماش".

وفيما يكشف العلو أنّ "أكثر من 80% من ألبسة الأطفال المصنعة في سورية، معدة للتصدير، وهامش ربحها بالداخل لا يزيد على 20%"، يستدرك بالقول إنّ "بعض المحال ترفع الأسعار خلال المواسم والأعياد لتحقق الربح، أو بصيغة أدق، لتعدل الخسائر ما بعد المناسبات، لأنّ المبيع سيتراجع ويضطر التاجر أو صاحب المحل إلى كسر السعر، أحياناً بأكثر من 60% ليضمن استمرار البيع وتدوير أمواله".

ويلفت إلى أنّ "الخسائر، بسبب ضعف القدرة الشرائية، لا تقتصر على أصحاب المحال الذين يدفعون بدل الإيجار وخدمات الطاقة وضرائب المالية والمحافظة وأجور العمالة، بل تطاول الخسائر الشركات المنتجة أيضاً، لأنّ القضية دائرة، فإن زاد المبيع ترتفع الأرباح ويزيد الإنتاج، والعكس صحيح".

ويقول رئيس قطاع النسيج في غرفة صناعة دمشق، مهند دعدوش، إنّ قطاع النسيج يعد الأكثر تضرراً من أي ارتفاع لسعر الصرف، أو أي زيادة على أسعار المحروقات، لأن 70% من تكاليف إنتاج المصابغ النسيجية يعتمد على المازوت والفيول.

ويضيف دعدوش، خلال تصريحات سابقة، أنّ السبب الرئيس لارتفاع أسعار الألبسة في سورية، يعود إلى عزوف كثير من الصناعيين وأصحاب الورشات عن الإنتاج بسبب انقطاع الكهرباء وارتفاع سعر المازوت وحتى انقطاعه في كثير من الأحيان، ما يمنع الورشات من تشغيل مولدات الكهرباء.

وكان تقرير المؤتمر السنوي للاتحاد المهني لنقابات عمال الغزل والنسيج، قد كشف أخيراً عن تدنٍّ كبير في نسب تنفيذ الشركات العاملة في قطاع الغزل والنسيج بسبب النقص الشديد في القطن والغزول وسوء المادة الأولية وتدني جودتها.

وأضاف التقرير أنّ ضعف الإنتاج يعود كذلك إلى قدم الآلات ونقص القطع التبديلية، إضافة إلى نقص اليد العاملة الخبيرة في هذا المجال بسبب الاستنزاف المستمر وعدم تعويض الخبرات، ووجود تشابكات مالية بين المؤسسات العاملة في هذا القطاع.

وبيّن التقرير أنّ إنتاج الأقمشة في شركة الدبس انخفض إلى 35% مما هو مخطط، أما نسيج اللاذقية فلم يتجاوز 51% والشركة الخماسية 32% وكلها في نوع الأقمشة الخامية. 

أما شركات الغزل، فقد انخفضت كمية غزول اللاذقية إلى 12% وهي تعادل 960 طناً فقط، وشركة الساحل في جبلة 5% في الغزول القطنية التي كانت 530 طناً من أصل 11695 طناً، فيما كانت العوادم القطنية 552 طناً، وفي شركة الوليد كانت الغزول القطنية المنتجة 9% فقط، وكميتها 274 طناً، وخيوط حماة 4%، واللافت فيها أن كمية الخيوط القطنية 151 طناً، أما كمية العوادم القطنية فكانت 165 طناً.

كذلك لم تحقق الشركة العربية للملابس الداخلية سوى 3% فقط من خطتها السنوية، وأنتجت 1754 دزينة من كل أنواع الألبسة الداخلية.

المساهمون