لو أنني منعتُ الديمقراطية من أن تركب على ظهر الدبابة

لو أنني منعتُ الديمقراطية من أن تركب على ظهر الدبابة

09 يونيو 2021
الصورة
ظلّ طفل خلال مسيرة مناهضة للاحتلال الوشيك للعراق، في سانتياغو بالتشيلي، آذار 2003 (Getty)
+ الخط -

هذه سيرتي، سيرة مُخجلة أو مُضحكة، وربما أيضاً سيرة غير مهمّة بالمرّة. فمن يهتم لأمري؟ في هذا العالم الذي تتلحّفهُ الكآبة والحزن، من يتعاطف معي حينما أُخبره مشكلتي، التي يمكن إيجازها بجملة واحدة: "كل الأماني والرغبات التي أحلم بها أو ألهج بها، وحتى تلك التي تخطرُ ببالي صدفةً، تتحقق"؟ من سيُصدّق أن ما أقوله حقيقيّ، ومن يعقل أن ذلك كل ما أُعانيه. ولهذا أنا أتعذّب كل يوم لسبب واحد وحيد، أن كل أحلامي تتحقق.

ولأنني ابتدأتُ بوصفها سيرة، لذا يجب عليّ أن أتتبع لكم تاريخي مع تلك المشكلة منذُ ولادتي حتى الآن. كنت في صغري مثل أيّ طفل، بدأتُ بما يبدأ به أيّ طفل، الرغبة في حيازة دراجة هوائية، وسيكون لي ذلك، رغماً عن أنف والدي طبعاً، حيث كنت أسير معه يوم رافقته للسوق مع عمّي الكبير، وحين طلبتُ منه أن يشتري لي دراجة هوائية تعذّر عليه ردعي لكي لا يُظهر ضعف حاله أمام عمّي، ورغم أن كل ما في جيبه كان يسدّ مبلغ الدراجة فقط، وهذا يعني أننا سنظل لأسبوع كامل من دون مال، حتى تعذّر علينا دفع مبلغ علاج أخي بعد أيام عندما تعرّض للدغة عقرب.

أذكر ذلك اليوم كل مرّة، كأنه لم ينتهِ، حينما كان أخي يتلوّى وكنت أنظر نحو العجلة وهي باردة، واقفة بعيداً، تمنّيت حينها لو أن حلمي لم يتحقق. وصرتُ بعدها أشعر بوخزة معنوية في صدري كلما ركبتُ تلك الدراجة.

وعندما كبرتُ أكثر وصرتُ من الذين يستخدمون عضلة القلب لأشياء أخرى غير ضخ الدم، وأرغب بمواعدة فتاة، وقعت عيني على بنت لطيفة كانت تتجوّل في الباحة مع صديقي عمر، وكم وددتُ أن تكون لي وكانت، لكن ذلك حدث بعد عام ونصف من وفاة عمر، الذي أصيب بسرطان الأمعاء. لقد فقدناه في شبابه، ويمكن أيّاً منكم أن يستشعر عمق الألم الذي أصابني. لا يمكنني أن أرفض مرافقة بنت كنتُ أرغب بها في الأصل، وغير ذلك أنها بأمسّ الحاجة لمن يشغلها عن التفكير بموت عمر، ولا يمكنني أن أُبرّئ نفسي من موت عمر، رغم أن ذلك من محتمل الحدوث ولا دخل لي بوفاته منطقياً.

بعد هاتين الحادثتين - وزد عليها حوادث متفرقة صغيرة - صار من الصعب تجاوز حقيقة أن كل ما أحلم به يتحقق فعلاً. لذا حرصتُ على أن أكون منتبهاً لما أفكر فيه أو أتمناه، وأحاول تتبع العواقب المحتملة لأيّ حلم أفكّر فيه. لكنني، رغم ما امتلكته من إرادة حرة، لم أستطع منع السيران العصبي من التحرّك. لذا، بالتوافق مع رغبات فطرية بالتميّز، رحت أطلب الشهرة، وللأسف حصلتُ عليها وانزعجتُ أيّما أنزعاج مما سبّبت لي تلك الرغبة الدنيئة.

كلُّ ما أصابني من مشكلات، وكل ما مررتُ به من ضيق في صدري وكآبة قصوى، كان بسبب أحلامي ورغباتي الدنيئة، واسترجعتُ تلك الديون بعذابات متكررة وليال مرة. لذا، أقدمتُ على فعلٍ صادقٍ وجريء، فكرتُ في أنه سيخلصني من كل تلك الآلام، وكان واحداً من أكثر الرغبات أصالة وحقيقية: رغبت بالموت ولهجتُ به مراراً دون تردد، لأُنبّه القدر إليّ ولرغبتي الفعلية الصادقة بالموت.

وحدث أن متُّ وانتهى كل شيء، لكن روحي - التي لم أحسب لها حساباً - ظلّت تلوم وتندب سوء أفعالها وما انتهينا إليه، ذلك لأنها دفعتني إلى الموت ولم تكن تنتبه للفرصة التي كنتُ أملكها. لو أنها وجهتني لأحلام نبيلة خالية من الغرور والأنانية! لو أنها أوعزت إليّ بأن أحلم بأن تنتهي الحروب في كل مكان من هذا العالم! أو أن أرغب في منع الخلايا السرطانية من الانشطار والتكاثر في أمعاء البشر! لو أنني منعتُ الديمقراطية من أن تركب على ظهر دبابة العدو، لو أننا عشنا بسلام كلّنا أعني أنا وعمر ووالدي وعمّي وأنت.


* كاتب من العراق

نصوص
التحديثات الحية

المساهمون