كورونا في مخيم بلجيكي بعيد

11 نوفمبر 2020
الصورة
عمل لـ إبراهيم هزيمة/ فلسطين
+ الخط -

كانت ليلة الخميس وقتًا عصيبًا لأبي إدريس، ففي اليوم السابق، اكتشف أنه يسعل سعلات جافة، وأنه فاقد لحاستي الشم والتذوق، فركبه الرعبُ الأكبر: فيروس كورونا وأنا في هذه السن؟

وكان علم من أحدهم أنه سيتعين عليه المكوث في الحجر الصحي لمدة أسبوعين على الأقل، وهو إجراء يشكل جزءًا من حزمة جديدة من القيود الصارمة التي وافقت عليها طبيبة المخيم إلس [أم وجه أحمر مثل شقحة البندورة]، في محاولة لإبطاء انتشار الفيروس التاجي بين تكدسات اللاجئين.

وفي غضون 48 ساعة فقط، اضطر أبو إدريس للبكاء كما صبي، والعويل كما أم جودت، والنهنهة والشغنفة كما الحاجة زريفة أيام مات ابنها فاروق، الله يرحمه ويرحمها، وجابوه لها غرقاناً من البحر.
وكل ذلك لأنه تخيّل رسول الموت، باسمه القبيح، يجوس في غرفة العزل، هناك خلف مبنى الزيبرا.

ولكن أي خلاص وأبو إدريس بطبعه رجل موسوس وشكاك؟

ولا يزال الرجل، بعد مرور أسبوع كامل، وقد تحسّن كثيراً، ولم يثبت عنده الفيروس، بحمد الله ـ لا يزال يتوهم أنه سيموت عما قريب، لهذا يوصي اللاجئين العابرين عن شُباكه بالصدفة، وهم ذاهبون للعب الكرة الطائرة في الملعب القريب، راجياً:
أمانة عليكم، متدفنونيش إلا بجوار قبر أمي، الله يرحمها، هناك في تربة بلادي الغالية.
ويضحك عليه فتيان وشباب اللاجئين، بينما الكهول منهم يوبخونه:
يا راجل تف من بقك؟ موت إيش وأنت هيّك قوي متل حصان؟ 
عيب هذا الخوف يتلبس واحد ناضج مثلك. أقسم بالله العلي العظيم إنو ما عندك كورونا ولا حتى معكرونا.
خلص عاد.
ولكن أي خلاص وأبو إدريس بطبعه رجل موسوس وشكاك؟

ومن يضمن له أنهم لن يحرقوا جثمانه، كنوع من التوفير، وعلى رأس الإدارة واحدة مثل "ريت" تعبد المليم والقرش؟ وكل شهر يأتيها كتاب شكر من مؤسسة "فيداسيل" الفيدرالية، لأنها أكثر مديرة كمب توفر على المؤسسة، من بين حوالي سبعين كمباً على مستوى شقَي البلد؟
هاه؟ من يضمن؟
وقال: طب ما أنا شايف وعارف. أنا بدّي حدا، يقول لي؟ 
ولكن الدكتورة إلس جاءته بعد يومين، مستبشرة، وقالت له:
بالإمكان الآن، أن تعود لغرفتك، وأن تعيش حياتك الطبيعية، مثل أجعص واحد غير مصاب بالفيروس.
فسمعها أبو إدريس وأطلق زغرودة، ولا زغرودة أم محمد الجرايحي في الزمانات الحلوة، الله يرحمها ويرحمنا.
وخرج مثل مراهق فرحان وجاب المخيم بطوله وعرضه وهو يعلن: أنا طبت والله يا جماعة. طبت، باركوا لي.
وباركوا له، فكبرت في رأسه وراح جاب 3 كيلو شيكولاتة من محل الدهليز الفاخر، ووزعها على جميع اللاجئين، حيث جلس يومين على بوابة المخيم وصار يعطي الداخل إليه والخارج منه، ثلاث حبات شيكولاتة، وأحياناً حبتين اثنتين، لأن المخزون بدأ ينفد.

وهكذا عدّت الأزمة على خير، إلا من جانب واحد لم يحسب له أحد في المخيم حساباً: فقد عاد أبو إدريس لمعلّمه يوهان كي يواصل العمل في قطف التفاح، إلا أن الأخير اربدّ وجهه وقال: نيه.

وهو، والكل يعرف ذلك، عندما يقول كلمة ولو بحرفين، لا يتراجع عنها أبداً ـ على الأقل في موسم هذه السنة ـ فعاد أبو إدريس منكسراً، وتحسس جيبه وقال: آه.
كان لازم أدير بالي على المصروف، وأصرف بالعقل.
فها هو العمل يروح، وها هو الفقر يرفع راياته المهزومة على مدّ البصر.
ثم زفر:
يسر أللهم وأعن. مع عدم نكران فضلك لأنك شفيتنا من الفيروس الخبيث.
وهكذا انتهت هذه الحكاية، بأبو إدريس معافى، ولكنه أقل وسوسةً وأكثر إفلاساً من عقود كثيرة ماضية.
وقال: مع كل شيء، فالصحة هي الأهم، وما دامت معك فأنت قادر على العمل، في مكان آخر، وكسب المال.


* شاعر فلسطيني مقيم في بلجيكا

المساهمون