كاتب من العالم: مع حلمي ياووز

23 نوفمبر 2020
الصورة
حلمي ياووز
+ الخط -

تقف هذه الزاوية، مع كاتب من العالم في أسئلة سريعة حول انشغالاته الإبداعية وجديد إنتاجه وبعض ما يودّ مشاطرته مع قرّائه. "الحضارة الإسلامية في الحقيقة هي حضارة جمالية" يقول الشاعر التركي في حديثه لـ "العربي الجديد".


■ كيف تقدّم المشهد الأدبي والثقافي في بلدك لقارئ لا يعرفه؟
- الحديث عن المشهد الأدبي والثقافي في تركيا الآن ليس سهلاً، لأن الأدب التركي يُشبه الهوية التركية بتعقيداتها. فالأدب التركي رغم تأثره بالأدب الغربي في عصر التنظيمات إلا أنه اكتسب خصوصيته خلال العقود الماضية. ويعتمد الأدب التركي على رافدين أساسيين؛ الحداثة من ناحية والإسلام والأدب الشعبي من ناحية أخرى. ومثلما تعيش الفتاة التركية التي ترتدي تنورة قصيرة مع فتاة ترتدي الحجاب، يعيش شكسبير في تركيا مع باقي أفندي. والحضارات التي مرّت على تركيا جعلتها تقدّر بودلير ويونس إمره معاً. ولمعرفة المشهد الأدبي اليوم، يجب التعرف أولاً على الأدب التركي في عصوره المختلفة، لأن المشهد اليوم هو امتداد له. 


■ كيف تقدّم عملك لقارئ جديد، وبأي كتاب لك تنصحه أن يبدأ؟
- رغم كتابتي للعديد من الأنواع الأدبية إلا أنني أحب أن أقدم نفسي كشاعر، وبرأيي من الخطأ أن يتحدث الشاعر عن أعماله، لأنه سيضع حدوداً للقارئ. 


■ ما السؤال الذي يشغلك هذه الأيام؟
- لدي بالتأكيد أسئلة تشغلني دائماً، إلا أنني تركت أسئلتي الشخصية منذ سنوات، وصرتُ أنشغل أكثر بالأسئلة التي تخصّ بلادي، وأحاول فهم الوضع السياسي والاقتصادي والثقافي وأسباب ما وصلنا إليه الآن، ولا يخفى على أحد. 

لا حظ لأدبنا في الترجمة والاهتمام بآداب العالم ليس عادلاً


■ ما أكثر ما تحبّه في الثقافة التي تنتمي إليها وما هو أكثر ما تتمنى تغييره فيها؟
- هناك الكثير من الأشياء التي أرغب في تغييرها في ثقافتنا ولكن ليس لدي القدرة على ذلك. أما عن الأشياء التي أحبها، فأنا أحب في ثقافتنا الشِّعر والخط والمنمنمات والمعمار. إن الحضارة الإسلامية في الحقيقة هي حضارة جمالية، وعندما نقول الإسلام يأتي إلى عقل البعض الشريعة فقط، لكن الحضارة الإسلامية أكبر من الشريعة بكثير.


■ لو قيض لك البدء من جديد، أي مسار كنت ستختار؟
- بالتأكيد كنت سأختار نفس الطريق. فالإنسان عندما يصل إلى عُمر محدد، يسأل نفسه عن أفضل الأشياء التي يقوم بفعلها. يجب أن يُحاسب الإنسان نفسه بهذه الطريقة، وأنا فعلت ذلك مع نفسي، ووجدت أن أفضل ما أفعله في حياتي هو كتابة الشعر.


■ ما هو التغيير الذي تنتظره أو تريده في العالم؟
- في الواقع إنني إنسان متشائم. وكما قلت عن الأشياء التي أودّ أن تتغير في تركيا، ولكنها لا تتغير، فهذا بالضبط ما يحدث معي عندما أفكر في الأشياء التي أود أن تتغير في العالم لكنها لا تتغير أيضاً. ولذلك، فليس من الضروري أن أذكر هذه الأشياء لأنها لن تتغير!


■ شخصية من الماضي تودّ لقاءها، ولماذا هي بالذات؟
- الشخص الأول هو الفيلسوف الإنكليزي من أصل نمساوي لودفيغ فيتغنشتاين، والشخص الثاني هو الشاعر التركي يحيى كمال فهو أستاذ كل الشعراء الحاليين.

الفاشية هي أكبر خطر على حرية الكاتب والكتابة اليوم


■ ما هو، في اعتقادك، أكبر خطر على حرية الكاتب والكتابة في العالم اليوم؟
- سأقول جواباً قد يبدو كلاسيكيّاً للغاية، ولكن أكبر خطر على حرية الكاتب والكتابة في رأيي هو الفاشية. فكيف يعيش الكاتب ويبدع دون أن يشعر بالأمان، كأن يظنّ أنه مُراقب وهو وحيد في غرفته. هذا في الأساس مرض، لكن الفاشية حقيقة وليست مرضاً. كل ما أتمناه أن يشعر الكاتب بالأمان.


■ ما هي قضيتك وهل يمكن أن تكون الكتابة قضية بذاتها؟
- الكتابة وحدها قضية كبيرة. ولكلّ كاتب مسألة -أُفضّل استخدام كلمة مسألة بدلاً من قضية- يتناولها في عمله. فعندما نقرأ إحدى الروايات مثلا، فيمكن للجميع أن يتحدث عن أحداث الرواية، ولكن خلف هذه الأحداث مسألة بالتأكيد، سواء كانت شخصية أم عامة، يريد الكاتب أن يسلّط الضوء عليها. ولكن الفرق بين كاتب وآخر هو طريقة طرحه لهذه المسألة. ولكن لا ينبغي بالتأكيد أن يكون تناول الكاتب لمسألة ما على طريقة الكتب المدرسية، وهذا ما يفرّق بين الأدب الجيد والأدب الرديء.


■ الأدب العالمي يكتبه المترجمون، إلى أي درجة توافق على هذه المقولة وإلى أي درجة كتبك المترجمون؟
- أود أن أقول في هذا السياق، إن أدبنا سيئ الحظ جداً في الترجمة، فلدينا العديد من الشعراء والكُتّاب الجيدين، ولكن لا أحد يعرف عنهم شيئاً بسبب قلّة الترجمة من التركية إلى اللغات الأخرى. ولا شك في أن الاهتمام بلغة وآداب العالم ليس واحداً وليس عادلاً أيضاً، ويظهر ذلك بوضوح في جوائز مثل جائزة نوبل للآداب.


■ كيف تصف علاقتك مع اللغة التي تكتب فيها؟
- من المفترض أن تكون لغتي الأم هي العربية بحكم مولدي في مدينة سرت بشرق تركيا. فأنا لم أتعلّم التركية إلا بعد دخولي المدرسة، وكانت العربية ممنوعة في تركيا كما هو معلوم. وبلا شك، فإن علاقتي الأقوى صارت مع اللغة التركية وليس العربية. واللغة التركية مشهورة بأنها لغة شعرية، وكُتب بها العديد من الأشعار العظيمة. وأنا أحب هذه اللغة كثيراً، وسعيدٌ لأنني أكتب بها، وأكبر سعادة أشعر بها عندما أستطيع استخدام هذه اللغة بشكل جمالي في كتابة الشعر على أكمل وجه. 


■ كاتب منسي من لغتك تودّ أن يقرأه العالم؟
- من الممكن أن يُنسى أحد الكُتّاب في حياته، ولكن يبدأ الناس في قراءته بعد ذلك. فلم يهتم أحد مثلاً بالكاتب أحمد حمدي طنبينار في حياته، رغم أنه كتب بمهارة في أكثر من مجال أدبي، فله العديد من الروايات والمجموعات القصصية البديعة والأشعار والأبحاث الأدبية أيضاً. وكان دائم الشكوى من تجاهل ونسيان كتبه في حياته، إلا أن الناس قد أدركوا أهميته بعد ذلك وبدأوا في قراءته، وهو من أبرز الكُتّاب الأتراك في القرن العشرين. 


■ لو بقي إنتاجك بعد 1000 سنة، كيف تحب أن تكون صورتك عند قرّائك؟
- أود فقط أن يُعجب القارئ بما كتبت، كأن يقول مثلاً وهو يقرأ قصيدة لي: "يا سلام!".


■ كلمة صغيرة شخصية لقارئ عربي يقرأ أعمالك اليوم؟
- أعرف عن العرب أنهم مرهفو الحس في الموسيقى، وأتمنى أن يلتقطوا الموسيقى الخاصة التي أحاول تشكيلها في شعري. لدي علاقة خاصة تربطني بالعرب، وفي ذاكرتي كلمات وأسماء عربية لها دلالات خاصة جدا حتى الآن، مثل: "إذاعة صوت العرب"، و"جمال عبد الناصر"، و"عبد الباسط عبد الصمد"، آه من عبد الباسط! لو كان للذات الإلهية صوت لكان بالتأكيد صوت عبد الباسط عبد الصمد. 

الصورة
حلمي ياووز


بطاقة
Hilmi Yavuz أحد أبرز الشعراء الأتراك المعاصرين. ولد في مدينة سيرت عام 1936. ترك دراسته في كلية الحقوق بجامعة إسطنبول وسافر إلى إنكلترا للعمل في القسم التركي بهيئة الإذاعة البريطانية. تخرج من كلية الآداب قسم الفلسفة في جامعة لندن. وبعد عودته إلى تركيا عمل مع أكثر من دار نشر وكتب في أكثر من صحيفة تركية مثل "جمهورييت" و"ميليت" وكان يوقع باسم علي حكمت.  بدأ بنشر أعماله منذ أواخر الستينيات بمجموعة "طائر النظرة" (1969)، و"قصائد حول بدر الدين" عام (1975)، و"قصائد شرقية" (1977)، و"قصائد صيفية" (1981)، و"قصائد الزمن" (1987)، و"الحزن يليق بنا أكثر" (1989)، و"قصائد المرآة" (1992)، و"قصائد الصحراء" (1996)، و"قصائد الرحلة" (2001)، و"قصائد الجرح" (2012)، و"قصائد اللعنة" (2017). بالإضافة إلى العديد من الكتب النثرية أبرزها: "حول الثقافة" (1987)، و"كتابات إسطنبول" (1991)، و"كتابات حول الإسلام والمجتمع المدني" (1999). كما حصل على العديد من الجوائز الشعرية داخل تركيا وخارجها.

وقفات
التحديثات الحية

المساهمون