سروان باران.. عودة إلى "جمالٍ قاسٍ"

15 نوفمبر 2020
الصورة
(من المعرض)
+ الخط -

"جمال قاسٍ" كان عنوان معرض سروان باران الأخير في "غاليري صالح بركات" بيروت. المعرض يكاد يكون مؤلفاً واحداً، فهو يقتصر على تصوير جنودٍ، أو ما يشبه الجنود، غارقين في أنفسهم، أو في تضاعيف اللوحة التي تخلطهم بالأرض، أو في مشهد يتكررون فيه ويتتالون في ما يشبه الإيقاع. قد لا يكون مهماً أن نذكر أن الفنان أمضى وقتاً في الخدمة العسكرية، لكن ما يجعل ذلك مهماً هو أن الأشخاص المرسومين قد يكونون، على نحو ما الفنان نفسه، فقد تكرّم وعرض عليّ صوراً لنفسه في أوضاع تشبه تلك التي رسم بها جنود معرضه.

هذه الواقعة قد تضيء على كل عمل الرسام. إذا كان أدى بنفسه الأوضاع التي سيرسمها لجنوده، فإن هذا لا يجعلنا نقيم صلة رومانسية بينه وبين عمله. هؤلاء الجنود ليسوا من ذكرياته، وليسوا على الإطلاق صوراً له، مع ذلك فإن لهم وجوداً واقعياً، بل هم الواقع نفسه وقد تجمّد وتحوّل بحيث انفصل عن نفسه ولم يعد سوى اللحظة التي يؤديها، وهي لحظة مصنوعة من التوتر بل التوتر هو لحمها وعظمها وجسدها كله. الواقع هنا هو هذا الانفصال الحي عن الواقع، هو هذه التمثلة (من تمثال) والتجمّد في صعقة صامتة، أو في صمت متحجر مصعوق.

الجنود ليسوا من ذكرياته، وليسوا على الإطلاق صوراً له

يمكن القول إن شخصيات سروان باران، وأقول شخصيات كما يقولون عن الروايات والأفلام، تؤدي، من أول "جمالٍ قاسٍ" إلى آخره، عروضاً، إذا جمعناها بعضها بعضاً نقع على احتفال ينتقل من لوحة إلى لوحة. أو إذا شئنا أن نستخدم مصطلحات الشعر، فاللوحات تتكامل كما تتكامل القصيدة لوحة بعد لوحة، أو مقطعاً بعد مقطع. المعرض إذا تناولناه بهذه اللغة ملحمة، كما قد يكون بلغة أُخرى نصاً متكاملاً. هؤلاء الأشخاص الذين نراهم هم من الواقع، لكنه الواقع الذي تهلهل وتقلص وتشوّه، أي أنهم من تحت الواقع، ومن إعتامه وتقلصه وتشوّهه.

الصورة
سروان باران - القسم الثقافي
(من المعرض)

ليسوا بالطبع صوراً فوتوغرافية ولا يملكون أخباراً سوى هذه اللحظة الثقيلة والباهظة التي سقطت عليهم وجعلتهم يتلوون تحتها. يتلوون، لكن العنف الذي شوّههم من الداخل عنف صامت، وما نراه ليس سوى ما بعده. إنهم شخصيات فعلية لكن تجمّدت لحظة خروجها وظهورها، وما يخبرونه ليس سوى هذه اللحظة التي صعقتهم وجعلت وجوههم ملتوية ومطموسة. هم بالطبع لا ينشدون ولا يغنّون، وليس ما نراه نشيدهم أو غناءهم، إنهم فقط أمام المصير الذي سحقهم وعدا عليهم، إنهم في لحظة أخيرة وفي خيار نهائي، وما تبقى منهم هو هذا الموقف القدري، ما تبقى هو ما خلّفه القدر بعد أن غادرهم نصف أحياء ونصف موتى، بعد أن تركهم مجمّدين مصعوقين.

الصورة
سروان باران - القسم الثقافي
(من المعرض)

إذا كان لنا مع ذلك ان نصف فن سروان باران، فإن المصطلح الذي يقفز إلى أذهاننا، بادئ بدء، هو الإحكام والتملك. يمكننا أن ننسب هذا الفن إلى الواقعية الحديثة، لكننا مع ذلك نفكر بشيء غير الفن بالضرورة، نفكر بالفصام وبالكوابيس، وأحياناً وأمام لوحات معينة تختلط فيه الشخصيات بالأرض أو في المشهد، يحملنا ذلك على التفكير بالتجريد. غير أن المتانة والحرفة العالية هما ما لا يغيبان عنّا. قد نستدعي بهذه القدرة على الإيحاء، وبهذه الطبقات اللونية التي تتلوى تحتها الوجوه، قد نستدعي فناناً كـ "بيكون".

تجسيماته تحوير للواقع بل تحوير للفوتوغرافيا نفسها

مع ذلك فإن تكرار الذي يقدّم به الفنان شخصياته، ليس تكراراً فحسب ولكن الإيقاعية التي تجمع هذه القامات بعضها إلى بعض، بحيث نشعر أننا أمام شريط متتالٍ متسلسل. هذا الشريط من القامات والوجوه قد يذكرنا، من بعيد، بأشرطة آندي وارهول الفوتوغرافية التي قدّم بها شخصيات كمارلين مونرو مثلاً، والحق أن البوب آرت ليس بعيداً عن فن سروان بل نحن نجد، بشيء من الذهول، أن سروان المُحكَم المتين يتعمّد أن يعيد الشخص نفسه أو القامة نفسها، في تتابع وتتالٍ، قد يجعلان من المشهد نفسه شريطاً، بل يجعلان من الشخص نقلاً محوّراً عن الواقع، قد يكون، من بعيد، تسجيلاً. سروان باران صاحب أسلوب بل إنه أحياناً هذا الأسلوب، وهذه الصلة بين الجندي المرسوم وبين الواقع، بل صلته بصورة سروان باران الفوتوغرافية المصنوعة كبروفا للوحة، قد تكون أسلوب سروان بل البوب الخاص به.

الصورة
سروان باران - القسم الثقافي
(من المعرض)

قد نفكر بذلك ونحن نرى أيضاً منحوتات باران. إنها تجسيماته التي هي أيضاً تحوير للواقع، بل تحوير للفوتوغرافيا نفسها. إنها هذه الفوتوغرافيا وقد تعرضت لتحويل شديد، وللعبة توتير كبيرة، ولنوع من التشويه والطمس المحكمين، أو لأسلبة كاملة، بحيث صارت مجرد ما يلفظه الواقع، وما يصيره حينما يعاد، بإحكام تام وتملك كبير، تأليفه.

الأمر نفسه يراودنا ونحن نشعر أن ملوّنة سروان المتقنة، هي بالدرجة نفسها طباعية وترابية، بحيث لا نفكر فقط بالتكعيبية، بل وبالبوب آرت نفسه. وبرغم الإحكام والإتقان، لا نزال نفكر أن هذه الشخصيات التُقطت من على الأرض، وبوسعها أن تغدو دعايات وإعلانات، كما أنها تؤرخ وتوثّق، على نحوٍ ما، وقيمتها التوثيقية لا تخفى.


* شاعر وروائي من لبنان

المساهمون