أيّ الطرق نختار

أيّ الطرق نختار

05 فبراير 2021
الصورة
كورماك مكارثي
+ الخط -

تحكي رواية "الطريق"، للكاتب الأميركي كورماك مكارثي، عن أبٍ وابنه يسيران وحيدين، متنقّلين من مكانٍ إلى آخر في عالمٍ مهدّم. لا يلتفت الروائي إلى الأسباب، وربّما يؤكّد، عبر تجاهلها، على أنّ العالم المعاصر لديه الكثير من الأسباب التي تفضي إلى الخراب، وهو يستخدم هذه الكلمة بالذات، كما تُترجم في النسخة العربية: الأرض الخراب. والمناخ الذي يسود الرواية، من جملة البداية إلى المقاطع التي تسبق النهاية، هو مناخ هذا الخراب الذي تسبّبت البشرية به لنفسها بنفسها. وهو يبدأ روايته من لحظة النهاية التي عمّت المكان. وإذا كان العالم الذي تتنقّل فيه الشخصيّتان محطّماً، بعد أن تكون الحرب، أو الكوارث، قد أنهت كلّ ما نعرفه عن الحضارة اليوم، فإن الروائي مشغولٌ بالسؤال عن مصير الروح البشرية التي سوف توضَع في امتحان القدرة على الصمود. كما أراد من خلال هذا المناخ المرعب أن يتفحّص مدى ثبات القيم الكبرى، مدى قوة الأخلاق لدى البشر في اللحظات التي تبدو فيها القوانين والأعراف والعلاقات الإنسانية المعتادة قد اختفت تماماً من العالم حولنا.

تلك لحظات حاسمة، ويمكن للتجربة التي نواجهها اليوم في أجزاء كثيرة من عالمنا العربي أن تكون مثالاً لما يحدث للبشر في الأزمات الكبرى، حين تغيب سلطة القانون وسلطة الأخلاق، وتظهر أكثر الغرائز وحشيّةً لدى قسم من البشر، بينما تتعزّز لدى آخرين قيَم الخير والعدالة. غير أن الوقائع والمشاهدة تجعلنا نسأل: لماذا يتغيّر بعض البشر وينقلبون أشراراً أو أنصاراً للشرّ والجريمة؟ وما هي الضوابط التي تحمي البشر من هذا الانحطاط؟ هل يحمي القانونُ الأخلاقَ، أم أنّ الأخلاق سابقة على القوانين وهي التي تشرّع طبيعتَها؟

لماذا يتغيّر بعض البشر وينقلبون أشراراً أو أنصاراً للشرّ

يتفحّص مكارثي هاتين النزعتين لدى كلّ من الأب وابنه، ولدى الأشخاص الذين يلتقيان بهم في الطريق، في اللحظة التي يعود فيها الإنسان إلى ما يشبه الغابة. حيث ينقسم البشر بين مَن يجعل من الاستيلاء على ملكية الآخرين، واستباحة حقوقهم،  أمراً "طبيعياً" وواحداً من حقوقه، وبين مَن يدافع عن نفسه وعن الوجود الطيّب للبشر. سوف يصادف الأب وابنه كِلا النوعين من الناس في طريقهما للبحث عن طعام ومأوى وأمان، وسوف يقدّمان المساعدة أو يتعرّضان لمحاولات السرقة أو القتل. وبينما إرادة الأب متمركزةٌ على حماية ابنه، وربما حماية المستقبل، وإبقائه على قيد الحياة، نرى الابن حريصاً على أن يتمسّك بقيَم العطف والمحبّة والشفقة. ولأنّه طفلٌ في سن الفتوّة، فإن الاستنتاج الذي يمكن أن نصل إليه هو أن النزعة إلى الخير هي الدافع الجوهريّ الفطريّ الأصيل في النفس البشرية. 

يحتاج البشر في زمن الأرض الخراب إلى مَن يقدّم لهم الدليل تلو الآخر على أصالة هذه النزعة لديهم. وبهذا المعنى، فإنّ "الطريق"، عنوان رواية مكارثي، يكتسب دلالةً عميقة تؤكّد على الجانب الطيّب والخيّر لدى الأكثرية من بني الإنسان؛ هذا الطريق ترسمه وتقرّر محتواه أخلاقُ من يسلكه.


* روائي من سورية

موقف
التحديثات الحية

المساهمون