أبو أحمد في أميركا

أبو أحمد في أميركا

05 يناير 2022
+ الخط -

شاءت الظروف أن يسافر معي صديق وجار عزيز إلى الولايات المتحدة الأميركية، في مطلع عام 2003، أي قبل ما يزيد عن التسعة عشر عاماً، وهذا الرجل كان عمره آنذاك حوالي 65 عاماً، ورغم تقدمه في السن، إلا أنّه كان متألقاً دائماً في رؤيته للحياة، وفي شخصيته وهندامه، برغم تواضعه، وقد شبع من الغربة كثيراً، فضلاً عن أنه يؤنسك بحديثه المشوّق ورفقته التي لا تملّ أو تشبع منها.

زار العديد من البلدان، وتعرّف على شخصيات كثيرة، بارزة ومميّزة.

يقول أبو أحمد مخاطباً أحد أولاد أخيه الذي كان يقيم مع عدد من أخوته وأولاد عمومته، حينذاك، في بيروت، ست الدنيا، وعاصمة الثقافة العربية، يقول، وهو ممسك سماعة الهاتف:

"يَوَلْ يا وِلد أخوي، يوَل اشْ ودْاك ع المر، ما تكولّلي .. يولّم تراني اِلعَن حظي هِين! عمل طويل، ومايدفعونا شي مقابل الشي اللي نشتغلو، وكل النهار من الصبح لآخر الليل محبوسين با المطبخ، وشغلتنا نجلي صحون، وما نعرف الليل من النهار، ويكولونا أشرايحلكم أنتم بأمريكا!." تكولون شنسوي، ملعن هافي هافيني!"

ويكمل أبو أحمد، شارحاً حالته الميؤوس منها لابن أخيه المقيم في بيروت، مؤكداً له:

"تفكر تجي على أميركا.. ها؟ يوَل ترا الحياة عندكم أحسن. بلا أميركا بلا بطيخ، والله كل كعدة بفيّ المحطة تسوى أمريكا واللي يفكر يروح عليها!. يولّم حتى علبة الدخان صارت عليَّ بالحسرة، بس والله الدخان اللي ندخنو هين، غير شكل، مثل السمن العربي، يابا اش مزينو!. وانتم يا ولد أخوي، مثل ما وصيتكم، أمانة.. والأمانة غالية.. ها، من بيروت للرّقة، ديرم بالكم تفكرون مجرد تفكير تجون على أميركا؟".

يرد ابن أخيه عليه، بفانتازيا، فيها نوع من السخرية المجبولة بالعامية الرقاوية الثقيلة:

"ليش يا عمي؟ ظليت ادْوِر الروحة على أميركا، وتدينت مصاري، واستكرظت من اللي يسوا واللي ما يسوا، وآخر شي تكولنا هالحجي. كلامك يا عمي، سامحني، مو صحيح، كل الناس الراحت على أميركا ما اسمعنا منهم هذا الحجي بس انتا أشوف حجيك وسوالفك غير".

يرد عليه أبو أحمد بحدية، وبصدق المشاعر:

"يوَل انت ليش ما تقنع مني، تعال جرب مكاني، آآآآآخ بس لون يعطونك هالفيزا أريد أشوف شنو رايح "اظرطها"، وراح تشوف شلون عمّك (...).. يلعن أبو الفاظي. يوَل والله ما يصح لي أحلق لحيتي، من الفرشة للورشة، الله وكيلك!".

يرد عليه ابن أخيه ساخراً ومؤنباً:

"تونك! كلنالك ياعمّي رِحت أوّل مرّة وجَربت حظك الأكشر وما كدرت تكمل، وانت إنسان مريض وموّات، بلالك أميركا بلا بطيخ.. صعبة عليك، نعرف هالشي. بدها واحد كد حالو".

يرد عليه عمه أبو أحمد:

"عاد آني طالع بيدي شي، مو كلو من الرّص اللي وراي، وكلها تريد مصاري، وفاتحة أثمها علي، ويفكروني جَعد ألم المصاري من الشارع. تعالم شوفم، العمل اشكد صعب، والمصاري ما يجن بالسهل. أعرفكم ماتصدكون!! بس أتمنى واحد منكم يحصل ع الفيزا ويجي. وبعدين راح يعرف انو عمو ما جان يضحك عليه، بس من خوفي عليكم، وما أريدكم تتبهدلون".

يرد عليه ابن أخيه:

"خلص عاد، اسكت ليش منو صاحلو يروح على أميركا، انت صحلك وصرت تدلل علينا. بس خليني أوصل وأشوفك شلون راح أجيب المصاري. وانشاءالله من ..........!؟".

يرد عليه عمه أبو أحمد، وبنبرة فيها حدية وقساوة:

"انت ما تفهم علي، ياريت بس تجي والله لا ألعن.. يولّم والله العيشة صعبة وقاسية، والدولار الأكشر ما يجي بالهيّن .. يوَل عمّك اتبهدل، وانت تراك فسكان! جرّب وخذ فيزا، والحكني، وياريت تجي لا أرفسك من توصل المطار. يالله سكّر عاد، ومن الله تعيدها. يالله انقلع عاد يكفي حجي فاظي.. العمى ما تستحي وما تخجل، فعلاً ثاريك عجي!. ومثل ما كالم صحيح العجي لا.... ولا...!!!"

وبعدها بأيام قليلة حزم أبو أحمد أمتعته، بعد قضاء شهرين في ربوع الولايات المتحدة الأميركية، متعثراً الخطى، ولم يستطع معها المكوث طويلاً، مفضلاً العودة إلى أهله وأصدقائه، والشوق إلى سيجارته الحمراء الطويلة، وحديثه المشوّق والممتع مع أبناء حارته، شارحاً لهم أحلامه هناك، ومعاناته على أمل العودة إلى الولايات المتحدة الأميركية من جديد، ولكن هيهات لتلك الأمنية أن تحقّقت لصديق العمر على الرغم من الصعاب والمشاق التي سبق أن عانى منها.

فهل يعيد أبو أحمد الكرّة، ويسعفه حظه العاثر في الحصول على تأشيرة السفر الأميركية، والتي يلزمها تحضير الكثير من الوثائق التي تطلب من الراغب في السفر إلى تلك البلاد البعيدة والصاخبة، فضللاً عن الرسوم المالية التي تفرض على طالب التأشيرة، وهو غير القادر على تأمين ثمن سيجارة الحمراء الطويلة التي يدخنها!.

* خطف الموت الصديق أبو أحمد منذ حوالي ست سنوات ولم يتمكن من العودة من جديد إلى أرض الأحلام، وحزم حقائبه، كما عوّدنا في رحلاته السابقة، التي كنا نخوض فيها تجارب السفر الممتعة والتنقل من ولاية إلى أخرى بحثاً عن العمل ومشاقه، واللقاء هناك مع أخوة وأصدقاء عرب تلونت حياتهم بالكفاح وبذل المزيد من الجهد والأرق من أجل البقاء، والركض لجهة تحصيل الدولار لتتمكن أسرهم وأهلهم من العيش بأمان واستقرار، وبمستوى مقبول برغم الظروف الصعبة التي كانوا يعانون.