هل حادت ثورة الياسمين عن مسارها؟

11 يناير 2021
+ الخط -

قبل عشر سنوات قام بائع الخضر والغلال محمد البوعزيزي، أصيل محافظة سيدي بوزيد، وسط تونس، بإضرام النار في نفسه، قيل حينها إن شرطية صفعته وصادرت عربة رزقه، لتنطلق بذلك شرارة الثورة التي سميت "ثورة الياسمين" وأيضا ثورة "الحرية والكرامة"، فكانت الاحتجاجات في كل البلاد ضد الظلم والفساد التي أطاحت بنظام الرئيس زين العابدين بن علي، فعمت الفرحة قلوب التونسيين مستبشرين بأن آمالهم ستتحقق قريبا.

ثمار الثورة

فرحة التونسيين بالثورة لم تدم طويلا، ما هي إلا أشهر قليلة حتى بدأت سلسلة عمليات إرهابية، راح ضحيتها  شهداء من الأمن والجيش الوطني ومدنيين، لتترك أمهات ثكالى وزوجات أرامل وأطفالا يتامى. الإرهاب نتج عنه غياب الاستقرار السياسي في البلاد، لتزيد الاغتيالات لقيادات سياسية بارزة  الطين بلة.

ولا تزال تونس تشهد بين وقت وآخر عمليات إرهابية ولكن بنسق أقل مقارنة بالأعوام الماضية، إلا أن ضحاياها عادة ما يكونون رعاة فقراء، وآخرها كان في يوم 20 ديسمبر/كانون الأول الفارط، حيث تم العثور على جثة شاب عشريني مقطوع الرأس في منطقة السلاطنية بمحافظة القصرين.

رغم تخوف التونسي اليوم من الوضع الاجتماعي والاقتصادي الذي عرفته بلاده منذ الثورة، إلا أنه لا يخفي فخره بما تحقق من مكاسب في مجال الحرية والديمقراطية

 

يرى مختصون في شؤون التنظيمات الإرهابية أن من أسباب تنامي هذه الظاهرة انتشار الخطابات التي تحرض على العنف والكراهية، إضافة إلى الانقطاع المبكر عن التعليم وغياب تأهيل الأطفال، حيث صرحت وزارة التربية التونسية بأن 280 تلميذا ينقطعون عن مقاعد الدارسة يوميا، وأن هذه الظاهرة تمس أساسا الذكور، لتقر الوزارة بعجزها عن مقاومة هذه الظاهرة.

العيش الكريم كان من بين أبرز المطالب التي نادى بها التونسيون خلال الثورة، لكن شيئا لم يتغير، بل بلغ مؤشر الفقر 15.2%، حسب منشور حكومي، وقدرت نسبة البطالة بـ16.2% خلال الثلث الثالث من سنة 2020، وفق ما نشره معهد الإحصاء التونسي أخيرا.

تحتاج تونس للقضاء على هذه الظواهر إلى كسب الرهان ضد الفساد الذي يكبد الدولة خسائر قدرت بـ3 مليارات سنويا، وفق ما صرحت به الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بتونس.

الذكرى العاشرة للثورة

تتزامن الذكرى العاشرة للثورة والتي تحتفل بها تونس في الرابع عشر من يناير/كانون الثاني من كل سنة، مع اندلاع الاحتجاجات في جل المحافظات التونسية، تتخللها إضرابات عامة عن العمل، وخاصة أن جائحة كورونا عمقت من أزمة الدولة وأضعفتها ورفعت من منسوب الاحتقان الشعبي، حيث تم تسجيل  أكثر من 850 تحركا احتجاجيا في الأشهر الثلاثة الأخيرة من سنة 2020، فيما تم تسجيل أكثر من 7600 تحرك في جميع المحافظات التونسية خلال السنة نفسها، بحسب إحصائيات نشرها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

التحركات تعلقت أساسا بمطالب اجتماعية تنادي نسبة كبيرة منها بتحسين الخدمات الصحية والمستشفيات العمومية، إضافة إلى توفير مواطن شغل وتوفير الماء الصالح للشراب وخدمات أخرى، كالنقل وغيره، تضمن الحد الأدنى من العيش الكريم للمواطن.

رغم تخوف التونسي اليوم من الوضع الاجتماعي والاقتصادي الذي عرفته بلاده منذ الثورة، إلا أنه لا يخفي فخره بما تحقق من مكاسب في مجال الحرية والديمقراطية، فقد عاشت تونس منذ الثورة  عدة محطات انتخابية.

فكانت أول انتخابات حرة سنة 2011، تلتها انتخابات تشريعية ورئاسية سنة 2014، وأخرى سنة 2019، فيما شهدت تونس أول انتخابات بلدية حرة سنة 2018، وكانت أول خطوة ملموسة في اتجاه اللامركزية المدرجة في دستور عام 2014 وأحد مطالب الثورة، إلا أن حرية التعبير وحدها لا تكفي، خاصة أن الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي تمر به تونس يحول دون أن تتحقق أبرز مطالب الثورة، وهي الشغل والكرامة الوطنية.. فهل حادت هذه الأخيرة عن مسارها؟