هل باتت مناعة القطيع واقعاً ينبغي التأقلم معه؟

15 أكتوبر 2020

ثمة سعي حثيث يهدف للتقليل من وقع المصاب في شتى دول العالم، مما يدفع لإلقاء الضوء على مفهوم مناعة القطيع (Herd immunity) الذي هو في حقيقة أمره مفهوم نظري جذاب يراد به المناعة من العدوى، بحيث تتعرف الأجهزة المناعية لأغلبية أفراد المجتمع على الفيروس لتقاومه في حال هاجمها مجددا، وهي استراتيجية وقائية لا تعطي مستوى عالياً من الحماية الفردية، بالنظر للانتشار الصامت للعدوى، وبالتالي ليست بديلاً جيداً عن اللقاح، ومن المعلوم ارتباط دلالة المصطلح بالمناعة الحيوانية التي يكتسبها القطيع ضد الأمراض المعدية، ثم جرى توظيفه للإشارة إلى اكتساب البشر للأجسام المضادة التي تفرزها الخلايا المناعية.

ونظريًّا تبدو هذه المناعة كفكرة معقولة، إلّا أنّها في الواقع قد تكون وصفة للمصائب، فالخطورة كل الخطورة تكمن فيما لو تطور الفيروس جينياً من جهة، وأخفقت فكرة الفصل العملي للفئات الأكثر عرضة للفيروس من جهة أخرى، ويسوء الحال في ظل نماذج غير ناجحة على فكرة مناعة القطيع، ولاأخلاقية هذه الفكرة، مما يمنح المشروعية لفكرة الحظر والإغلاق، وحتما ستسقط أسانيد النظرية في حال تكررت الإصابات، وبالتالي سيكون أصحاب المناعة الضعيفة هم الضحية، وعليه فالأسلم اتباع استراتيجية تبطيء انتشار الفيروس، بالأخص إذا علمنا أنه قد يواصل حضوره لمدد طويلة، مع ملاحظة العوامل المؤثرة في المناعة كقابلية الشخص للإصابة بالمرض وسلامة جهازه المناعي وأنماط التوزيع السكاني والعادات الاجتماعية للأعراق المختلفة، ومدى توفر شروط نجاح اللقاحات كالفاعلية وزيادة معامل السلامة والتكلفة المعقولة.

تبدو الأوساط الطبية متذبذبة بين انتهاجها لاستراتيجية وقائية وتهيئتها لمواجهة جذرية للفيروس، في رحلة السعي لإبطاء تفشي انتشاره وعزل المواطنين الضعاف والاستعداد لمفاجآت الزمن، والمضاعفات التي تلوح في الأفق، جراء كون المناعة لا تُعطي مستوى عالياً من الحماية الفردية، وبالتالي فهي ليست بديلاً جيّداً للتطعيم، وهي على المدى البعيد تعني ملايين الوفيات وإمكانية انهيار المؤسسات الصحية، وتزايد أعداد الضحايا بين الأطباء والعاملين، علاوة على الخسائر الاقتصادية، في مقابل الرهان العاطفي على لقاح ينهي قول كل خطيب.

هل من الصحيح أن رفض مناعة القطيع والعزل الهستيري جاء بنتائج عكسية؟ وهل نشرعن الاستهتار بحياة الفقراء وذوي الدخل المحدود وسوقهم إلى الموت كوصفة للرأسمالية المتوحشة

وفي واقع الحال وبقدرة قادر أفقنا من نومنا لنجد مناعة القطيع هي السائدة عبر الانتقال الخفي لحيثيات هذه المرحلة، رغما عن أكاذيب الرعاة وإعلامهم المضلل، فهل يحوز القطيع من كافة أطيافه نفس الفرص العادلة، إذا علمنا أن الذي يطل علينا هو النظام الصحي الطبقي، وهل يمكن الرهان على الشجاعة غير المنضبطة في ظل فقدان الإمكانيات والرعاية الصحية؟

إن مما يفاقم المأساة تذبذب اشتراطات المناعة، والتي تحتم الاطلاع على ظروف كل قطيع على حدة مع وجوب إجراء مقارنة بينها، فمناعة من هذا الطراز تفرض عودة الحياة إلى طبيعتها الاعتيادية، بغض النظر عن سيل الانتقادات، كونها خيارا ليس قابلا للتطبيق، ناهيك عن ضغوطاته على وزارات الصحة بما يفوق المقدرة، في ظل محدودية الأسرة الطبية وأجهزة التنفس الصناعي واستنفار المستشفيات الذي يأتي على حساب رعاية بقية المرضى.

والسؤال المشروع متى يحين أوان تحقق هذه المناعة، هذا إن سلمنا جدلا بسلامة السير في إطارها!

التجربة السويدية لا يقاس عليها لقلة السكان ممن يعيشون تلقائيا بتباعد طبيعي بمعنى تطبيقهم للعزل الاجتماعي، ولكن أثبتت التجربة خطورة هذا النهج بعد تزايد الإصابات بين صفوف العاملين في القطاع الطبي، وحقيقة الأمر فإن مناعة القطيع تتحقق بوجود لقاح،  أما ترك الحرية للمرض في الانتشار بدعاوى نظرية بدون استنادات علمية فهذا من باب تهلكة النفس.

صحيح أن السويديين غيّروا من سلوكياتهم العامة، وطبقوا تدابير مرنة للوصول إلى مناعة القطيع، وضمان  استمرار الحياة الطبيعية وعدم الإغلاق التام من أجل ديمومة المسار الاقتصادي واستمرارية عملية البناء ونمو المجتمع وتوافر مقومات العيش،  فأبقوا المطاعم مفتوحة وانتهجوا فكرة المسؤولية الذاتية، وشرعوا العزل الذاتي لمن تزيد أعمارهم عن السبعين، وسمحوا للصغار بالذهاب إلى المدارس ودور الحضانة، تحت ذريعة أن السلطات هدفها الوصول إلى زيادة المناعة،  إلا أنه ينبغي التذكير بأن أكثر من نصف الأسر في السويد تتكون من فرد واحد، وأما بالنسبة للمهاجرين فقد دفعوا ثمن مناعة القطيع غاليا باضطرارهم للتنقل عبر وسائل النقل العمومي المزدحمة.

تدور مناعة القطيع في فلكين هما النموذج السويدي والنموذج الصيني، أما اتجاهاتها فالأول كان عبر التوقف عن اتخاذ أي إجراء خاص باستثناء العناية بالكبار كروسيا البيضاء، مما نتج عنه انخفاض معدلات الوفاة، والاتجاه الثاني دول شرعت في تطبيق إجراءات محدودة دون الإغلاق المطلق كالسويد والنتيجة وفيات مع مكتسب هو ارتفاع مناعة المجتمع، والاتجاه الثالث دول أغلقت كل شيء وعزلت السكان كإيطاليا وإسبانيا وفرنسا، والنتائج محزنة.

فهل من الصحيح أن رفض مناعة القطيع والعزل الهيستيري جاء بنتائج عكسية؟ وهل نشرعن الاستهتار بحياة الفقراء وذوي الدخل المحدود وسوقهم إلى الموت كوصفة للرأسمالية المتوحشة ونظرية داروين في الانتخاب الطبيعي والبقاء للأقوى للخلاص من الضعفاء لمصلحة الأقوياء، وتوظيف الرأسمالية المتوحشة لإبادة الفائض البشري وشن الحروب، ونشر الأوبئة والأمراض.