هجرة سرية في قارب أدبي

17 فبراير 2021
+ الخط -

من أمارات سوء الجوار، التي تصل إلى العار أن يتجاهل المغاربة إبداعاً أدبياً فخماً موجوداً في إسبانيا التي لا تبعد عنا إلا بكيلومترات معدودة، خصوصاً إذا كنا من المشجعين لنادي برشلونة. عشاق لليونيل ميسي، دعوني أصحح. ذلك القصير ذو الغمازتين هو الملك الحقيقي لإسبانيا، للعالم برمته لو حكم الزمن والمنطق بأن يوضع التاج على الرِجْلين بدل الرأس.

صحيح في ملاعب إسبانيا هناك ميسي. أما في مكتباتها فيقبع الكاتب كارلوس زافون بجسم مترهل غير رياضي لكن بقلم رشيق دشن شحطات انتهت بكتابة سلسلة روايات عنوانها مقبرة الكتب المنسية المكونة من رباعية "ظل الريح" "لعبة الملاك" متاهة الأرواح" و"سجين السماء".

لن نتكلم هنا عن مواضيعها، أحداثها و شخوصها، لأن الأمر سيبدو شبيها بعاشق لفريق يُطلبُ منه الاكتفاء بسماع النتيجة بلا مشاهدة المباراة، غافلين أن محبة أمر ما هو الاستمتاع بتفاصيله و الاكتواء بها طبعا. فالشيطان يسكن التفاصيل. تلك حقيقة يُقرها علم  الجمال.

سنكتشف حينها أن كارلوس زافون من الكتاب الذي ينسفون للقارئ قناعة وجود الحب الأول كونه الحب الحقيقي وأن ما يأتي بعده مجرد حواش وهوامش ثانوية لا قيمة لها

أما فن القراءة فيحرضني على تبليغ حقيقة اكتشفتها توا، تقضي بأن الأشياء الجميلة غير قابلة للتلخيص. عليه، بدل تقزيم عالم زاخر، دعونا نتحدث بإسهاب عن جمالية روايات سلسلة مقبرة الكتب المنسية.

سنكتشف حينها أن كارلوس زافون من الكتاب الذي ينسفون للقارئ قناعة وجود الحب الأول كونه الحب الحقيقي وأن ما يأتي بعده مجرد حواش وهوامش ثانوية لا قيمة لها. يعني ذلك أنك تُعجب برواية زافون الأولى ثم الثانية، فالثالثة بنفس الإقبال والشوق ورقي التذوق، منتهيا بك المطاف بالسقوط في حب وصفات المطبخ التي يذكرها في الحوارات بين دنيال وفيرمين أو بين إيزابيل والسيد سيمبيري، عل الرغم من أن الشخصيات هي نفسها تقريبا وثيمة السرد موحدة تتنوع و تتداخل بين الحب الصادق لكتب ملعونة وحب حقيقي اتجاه الأشخاص غير المناسبين.

حتى نصل لسرد فظائع الحرب الأهلية على نفوس الكتالونيين متصاهرة مع فضائح الشخصيات السياسية التي جاد بها القرن العشرين على إسبانيا. آنذاك فقط ستجد نفسك كقارئ تعودَ على روعة كافكا بسوداويته الخالدة أمام سوداوية بعيدة كليا عن الروعة أبدعها الجنرال فرانكو وصورها كارلوس زافون في قالب أدبي خفيف الظل بأسلوب يجمع بين العُمق المرح والمرح العميق دون أن ينهكك نفسيا أو اجتماعيا كما يفعل الإخوان الروس سواء دوستويفسكي أو تولستوي البعيدين عنا جغرافيا والبارد طقسهم وحتى مشاعرهم.

إن كارلوس زافون يكتب بأسلوب فيه مناخ معتدل وأخاد استعاره من شبه الجزيرة الإيبيرية مع إضفاء نسمة خفيفة البحر للمتوسط. وهذا سبب كاف يجعلك متشوقاً ومعجباً بروايته إلى درجة تفكر في امتطاء قوارب الهجرة السرية إلى إسبانيا لتقرأها خلسة ثم تعود أدراجك، دون أن تنسى التعريج على ملعب كامب نو لتشاهد مباراة لبرشلونة وأنت تتغنّى بمبدع آخر هو ميسي يزيدك جرعة قوية من السعادة التي اكتسبتها رفقة زافون.

دلالات