مع صديقي المريض

27 يناير 2021
+ الخط -

جلس مطولاً خلف طاولة مكتبه محاولاً تدوين ما تشتهي نفسه من تجليات لعلَّ وعسى أن تريح قلبه المتعب الذي يدفعه عشقه الصحافي باستمرار نحو المكان الذي يفضل أن يخلو إليه بين حين وآخر لبعض الوقت، منتشياً ومحاولاً كتابة ما يخطر بباله على حزمة من الورق الأبيض الصقيل بقلمه الحبر السائل الذي يفضله عن بقية الأقلام الأخرى، والذي يظن أن ما طرحه من أسئلة كان يختزنها في دخيلته تكاد تكون كافية لنقله إلى عالم آخر أكثر دفئاً ونشاطاً، وهو في طبعه يحاول نشر عبق ما يجول في خاطره لقاء ارضاء نفسه قبل كل شيء.

محاولاته كانت فيها بعض المتعة، وإن أغضبه بوحه غير المقنع في هذه المرة لأنه لم يعد يكترث بما كان قد سبق أن تناوله في جدولة برنامجه الصباحي الذي حاول مراراً الخوض في تناول مادة صحافية جديدة ليدفع بها إلى الصحيفة، أرادها أن تكون نافعة وتصب في محور حديث مفيد مع بعض الأصدقاء الذين يحاولون في أكثر من مرة أن يقصونه عن الخوض والاستمرار في حلم وردي بالكاد أن يرقى إلى مكان أكثر أمناً في الوقت الذي يراه نجماً ساطعاً يشق عنان السماء.

مجمل هذه المحاولات جعلته يكون رقيق القلب، هادئ السريرة، أقل انفعالية من ذي قبل، وهو الذي لم يكن بالمطلق ليكون غير ذلك، ما اضطره إلى المكوث بعيداً، منزوياً منفرداً محاولاً نثر ما يجول بخاطره من أفكار. حاول في أكثر من مرة تناول فكرة جديدة، إلّا أنها لم تكتمل، فأخذ بالبحث عن فكرة أخرى عسى أن تمهد لما يحلو له من مدخل مفيد متضمناً عنواناً لافتاً لمقالته اختاره بنفسه.

هيأ لنفسه الجلسة التي يحبها داخل مطبخ بيته المتواضع، وجلس خلف طاولته، وتناول ما سبق أن قام بتحضيره من شراب ساخن ظناً منه أنه سيساعده على تجاوز الألم الذي يشكو منه

إنّها المرة الخامسة، وقد تكون السادسة، هكذا خيل إليه، وأخيراً توصل إلى فكرة مفيدة، وقد صارت مختمرة في ذهنه، وعليه أن يميط اللثام عنها ويرسم معالمها على الورق رغم الظرف الذي يعيشه، والمرض الذي حلّ به، وساعات النوم القليلة التي جعلته يهرب من سريره إلى أوراقه البيضاء باثاً عليها معاناته وآلامه..

الوقت مبكر جداً. الناس حوله ما زالوا نياماً، وهو يتبرّم في غرفته، لم يعد قادراً على الخلود إلى النوم من جديد نتيجة الألم والسعال الذي أفسد عليه ليلته، ففضل أن يقوم من فراشه والتوجه إلى مكان آخر يجد فيه ضالته، وقضاء بعض الوقت في تحضير كأس كبير من العلاج المكوّن من الماء الساخن والزنجبيل، وقليل من الليمون عسى أن يريح أعصابه ويدفع به إلى إكمال ساعات نومه التي افتقدها.

هيأ لنفسه الجلسة التي يحبها داخل مطبخ بيته المتواضع، وجلس خلف طاولته، وتناول ما سبق أن قام بتحضيره من شراب ساخن ظناً منه أنه سيساعده على تجاوز الألم الذي يشكو منه.

أمسك بقلمه وأخذ يحاول بدون فائدة، ولم يتمكن من الوقوف على فكرة معينة، فالأفكار بدت كثيرة، وتناولها بالطريقة التي يريد لم تكن كما أرادها، وبحث مطولاً في تناول أفكار جديدة بعيداً عن السياسة التي وجد فيها ضالته وهمومها، وما يجري اليوم على الساحة العربية بمجملها من قصص وحكايات قادرة على أن تثري أعمدة الصحافة الورقية والإلكترونية بالكثير من الموضوعات التي تبهرنا بعناوينها وبصخبها، وبالكثير من المآسي التي صاحبتها.. أو حتى الكتابة في مجال الأنشطة الرياضية وما أكثرها، والتي تلقي الضوء على العديد من الألعاب بمختلف أشكالها وفئاتها، وفي جانب آخر قد يتساءل البعض أنه قد يكون أهون الشرّين، سواء أكان ذلك بالنسبة للجانب الفنّي، أم الثقافي أو حتى في تناول مختلف صنوف الأدب.

أمضى صديقي وقته يفكر في تناول فكرة بعينها، إلّا أنّه فضّل العودة إلى ما تضمنته الرسائل الواردة إليه عبر موبايله الخاص والاتصالات التي عاد واسترجع بعضها، محاولاً قضاء بعض ما تبقّى من وقت في الوقوف على رسالة أحد أصدقائه عارضاً عليه طرح موضوع عن الأدب والدور الذي لعبه في سابق عهده، والحس الإبداعي الذي سبق أن وقف حياله كتّاب العربية المخضرمين الكبار من أمثال: طه حسين، عباس محمود العقاد وإبراهيم المازني، وغيرهم.

وقف صديقي الصحافي مطولاً، محاولاً استرجاع ذكريات من أيام الزمن الجميل في الوقت الذي حملت يداه ما تبقى في قعر الكأس من الشراب الذي سبق أن حضّره ودفع به إلى داخل فمه عسى أن يخفّف عنه بعض الآلام على أن يعود أدراجه إلى سريره، وإكمال ساعات نومه من جديد بعدما قضى حوالي ساعتين بعيداً عن فراشه، ومحاولاً العودة إلى النوم مجدداً قبل أن يفوت الفوت ويختفي الصوت.