محطّات للتأمّل

محطّات للتأمّل

13 أكتوبر 2021
+ الخط -

فارس الخوري -العلّامة والسياسي السوري الراحل-  رجل له مواقف مشهورة في شجاعة الرأي، وقد جمع بين همّة الشباب وحكمة الكهول! ويروى عنه يوم كان رئيساً لمجلس النوّاب، في سورية، منذ سنين طويلة، أنّه ذهب إلى سوق (الحميدية) المشهور شهرة سوق (الموسكي) في القاهرة، وقصد أحد محلات بيع الطرابيش- يريد ابتياع طربوش جديد بعد أن أعياه البحث- فوجد ضالته عند صاحب ذلك الدكّان الدمشقي، ولما استفسر عن ثمنه، هاله أنَّ البائع غالى في طلب الثمن، فقال له مداعباً:

ـ يا هذا، إنّك لن تجد لطربوشك (رأساً) كبيراً يُناسب أحداً غيري، إلّا رأسي، فما كان من البائع الظريف إلّا أن عاجله بجواب:

ـ وأنت يا مولانا، ما كنت تجد طربوشاً يُناسب رأسك إلّا في دكّاني!

*في الطبعة الثانية للكتاب الصادر عن الراحل المرحوم أحمد الصافي النجفي (رحلة عمر مع النجفي) ذكر كاتبه في ختام الكتاب، كيف أنّ الشاعر الساخر الراحل، توفي في بغداد، متأثراً بجراحاته البليغة إثر إصابته بخمس رصاصات طائشة عند كورنيش البحر في (الزيتونة) ببيروت، حين كان يهمّ بقطع الشارع لشراء رغيف من الخبز (مكتفياً به كعادته في الزهد والبساطة)، وقد قال بعد فقد بصره، إثر غياب ثلاثة وأربعين عاماً عن بغداد مغترباً ما بين سورية ولبنان، وبعض الأقطار الأخرى:

يا عودة للدار ما أقساها
(أسمع) بغداد ولا أراها!

وكتب أحد الزملاء الساخرين- فيمن كتب عن الكتاب- مقالة، تحليلية و(تقريظية)، فوجئت به يصحّح معلومة للقراء في نهاية مقالته، مؤكداً أن أحمد الصافي النجفي، لم يُصب بخمس رصاصات، وإنما بست رصاصات! أما الرصّاصة السادسة في رأيه الساخر، فهي الكتاب الصادر عن المرحوم.

*اشتهر عن المرحوم النجفي (بُغضه) للشعر المنثور، أو الشعر السايب أو الفالت كما كان يسميه العقاد!

كم أرثي لهم، أولئك الذين يكون واحدهم ممن ينطبق عليهم قول حسان بن ثابت:
لا بأسَ بالقومِ من طولٍ ومن عِظمٍ .. جسمُ البغالِ وأحلامُ العصافيرِ!

وهذان بيتان (نادران) للنجفي في هذا المعنى والعهدة عليه:
تفلسف في اكتناه الشعر قوم
فضاع الوقت وامتد الطريق
فدع عنك (التفلسف) واروِ شعراً
فلي عين ترى وفم يذوق!

*علمتني الحياة أنَّ أكبر وعاء في (مطبخ) عُمرك وتجاربك، هو (وعاء النفس)...
ألم يكن الشاعر العربي محقّاً في مقولته (من زمان):

وإذا كانت النفوس كباراً
تعبَت في مُرادها الأجسام

وكم أرثي لهم، أولئك الذين يكون واحدهم ممن ينطبق عليهم قول حسان بن ثابت:
لا بأسَ بالقومِ من طولٍ ومن عِظمٍ .. جسمُ البغالِ وأحلامُ العصافيرِ!

أي: لا بأس ولا ضرر يعتري هؤلاء من جهة الطول والغلظ.  فأجسامهم كأجسام البغال، وعقولهم كعقل العصافير.

*سئلت ذات يوم من زميل صحافي محترف، عن أجمل و(أعظم) إهداء يتوَّج به كتاب أدبي وقع في يدي، فقلت: إنّه ذلك الإهداء الرائع بالمختصر المفيد، للكاتب المصري المفكر الكبير المرحوم خالد محمد خالد.

الإهداء يقول، في أحد مؤلفاته: لله.. وللحرية!

*يبقى نزار قباني متفرّداً بين العديد من شعراء عصره بصوره وأدواته اللفظية وسخريته المرّة واللاذعة حين يمزج بين وحدة البيت ووحدة الموضوع. من ذلك مثلاً، وهو يتوجع متفجعاً على ما وصلنا إليه من حال، ويجعلنا نتوجع معه ولكن بـ (استمتاع) متميّز لفظاً ومعنى:

كل شعر معاصر ليس فيه
غضب العصر نملةٌ عرجاء
ما هو الشعر.. حين يصبـح فـأراً
كسرة الخبـز -همّـه- والغـذاء
وإذا أصـبـح المفـكـر بـوقـاً
يستوي الفكـر عندهـا والحـذاء
يُصلـب الأنبيـاءُ مـن أجـل رأيٍ
فلمـاذا لا يُصـلـب الشـعـراء؟
الفدائي وحده يكتب الشعر
وكل الذي كتبنا هراء
عندما تبدأ البنادق بالعزف
تموت القصائد العصماء
البطولات موقف مسرحيّ
ووجوه الممثلين فيه طلاء!
و(فلسطين) بينهم كمزاد
كل شار يزيد حين يشاء

بلى يا نزار، لقد أوجعت فأدميت وأمتعت، وتلك هي لعمري المعادلة الصعبة في شعرنا العربي المعاصر ومعظمه (معصور)!