عن ثقافة الاختلاف المفقودة

03 ديسمبر 2020
+ الخط -

مع رحيل الشخصيات الغربية البارزة التي عرفها العالم سواء كانت سياسية أم فنية أم رياضية يحدث شيء طبيعي وهو النعي والتأثر بفقدان الشخص النجم بغض النظر عن ديانته أو جنسيته أو أفكاره، في الأخير هناك إنسان مبدع في عمله قد رحل، والطبيعي هو حالة الحزن العامة عليه كما هي حال العالم مع وفاة الأسطورة ماراودنا.

لكن غير الطبيعي والذي لم نجد له تفسيرا هو حالة تكفير من ينعون النجم المتوفى وحالة الجزم القطعي بمصير المتوفى ومن يتعاطف معه أو يكتب تعليقا عن وفاة النجم، وحالة ثانية في نفس الوقت تضيق ذرعا بكل من يختلف معهم في الرأي.

إنهم المحاسبون على النوايا والعارفون بأسرار القلوب والمطلعون على علوم الغيب والمكفرون لكل من يغرد خارج سربهم، اختزلوا الدين في عقولهم التي لا تستوعب كثيرا، فكرة أن يختلف معهم شخص في رأي، قاعدتهم أنا الحق والصواب وغيري الباطل والخطأ.

لقد تابعت الكثير من الشتائم والتكفير خلال الأيام الماضية لنجوم إعلاميين وكتاب عرب بسبب نعي  مارادونا وكانت حجتهم أنه كافر ومشرك وأنه لا يجوز الترحم على الكافرين.

وعلى الرغم من أنه لم يترحم أحد أصلا من المسلمين على مارادونا ولا على غيره لا لفظا ولا اصطلاحا، فالجميع كان ينعاه ويحزن على بطولاته ويستعيد تلك الذكريات معه، فالإنسان أحيانا كما قيل يبكي ماضيه في صورة الآخرين وخاصة النجوم الذين نعيش معهم أحلى الذكريات، والناس هنا يبكون أيام الثمانينيات والتسعينيات التي كان نجمها مارادونا يبكون فيه مصيرهم الأخير وماضيهم وتقلب الأزمان والعمر الذي يتقدم والموت الذي لا يفرق بين الناس و لا يهتم بما حققوه من إنجازات ولا نجومية ولا بمكانتهم في قلوب الناس. هذا في أول الأمر أما الثاني فهم يبكون نجاح مارادونا وغيره، على الأقل حقق إنجازات في مهنته ولبلده وهو ما عجز عنه كثيرون في العالم الإسلامي والعربي، ولم يكن موت النجم الأرجنتيني فقط الذي أعاد ثنائية النعي والتكفير والرأي واحتكار الآراء والتعليقات التي لا محل لها من الإعراب.

إننا في عالمنا العربي نفتقد لثقافة اختلاف الرأي وتقبل الآخر واحترام فكره وديانته ورأيه، لم نعد نستطيع أن نجلس على طاولة واحدة ونتبادل الآراء والأفكار، لا بد أن تكون معي كي أتحدث إليك قاعدة سائدة لديهم

في نفس أيام وفاة مارادونا وحالة الغليان على فيسبوك وتويتر والتكفير والسب، شاءت الأقدار أن ترحل والدة نجمة الجزيرة الإعلامية القديرة إيمان عياد، كان طبيعيا أن تنعى النجمة أمها وأن نتعاطف معها جميعا، ولكن غير الطبيعي واللاإنساني هو ما تعرضت له من إهانة في التعليقات تحت مسميات دينية من بعض من يشوهون سماحة الدين الإسلامي
بأفعالهم عن عمد أو جهل.

ولم تكن الإعلامية إيمان عياد وحدها التي تعرضت للهجوم  في أسبوع الحساب والوعيد هذا، فقد تابعت كصحافي هجوما آخر تعرض له الكاتب الصحافي المصري سليم عزوز الذي علق على مقابلة لزوجة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وانتقد الكاتب المصري الهجوم الذي تعرضت له السيدة انتصار السيسي والذي يتعارض مع ما هو متعارف عليه في مجتمعاتنا العربية تحت حرمة الأعراض، وبغض النظر عن ما قاله الأستاذ سليم عزوز فقد أبدى الرجل رأيه وهو حر في رأيه وهذا أمر طبيعي ومقبول ومن المعيب أن يتعرض لهجوم بمجرد إبداء رأي مخالف للأخرين.

إننا في عالمنا العربي نفتقد لثقافة اختلاف الرأي وتقبل الآخر واحترام فكره وديانته ورأيه، لم نعد نستطيع أن نجلس على طاولة واحدة ونتبادل الآراء والأفكار، لا بد أن تكون معي كي أتحدث إليك قاعدة سائدة لديهم، فهؤلاء لا يفتقدون ثقافة الاختلاف فقط بل لم يقرأوا عن تعامل العظماء من الأمة الإسلامية مع  من يختلفون معهم في الرأي، لم يقرأوا عن فن التعامل ورقي الأدب وأخلاق المسلمين.

لقد كان في مدينة النبي ذات يوم خليفة هو علي بن أبي طالب وقد شاءت الأقدار أن يحكم في ظرفية عصيبة بعد مقتل الخليفة عثمان، وشاءت الأقدار أيضا أن يرفض والي الشام آنذاك معاوية بن أبي سفيان بيعته وأن يخرج إليه الخليفة علي، وهنا رفض العديد من الصحابة الذين بايعوه الخروج معه فتركهم ولم يعاقبهم، هل قتل علي هؤلاء الصحابة وقد خرجوا عن طوعه واختلفوا معه في قراره وهو خليفة المسلمين؟

لقد احترم لهم الخليفة الجليل رأيهم وعلمنا درسا بقي من آثاره في رقي الاختلاف في الرأي وأن الأخلاق هي التي تبقى وتنتصر في الأخير.

وفي نفس الأيام كان الخلاف الكبير بين علي ومعاوية وعلى الرغم من الحرب التي دارت بين الصحابيين الجليلين فإن كل منهما كان يجل الآخر ويحترمه ويرفض الإساءة له في مجلسه، الخلاف كان في الرأي حول طريقة القصاص للخليفة عثمان بن عفان، أما على الأخلاق والدين فقد اجتمعا.

هذه قصة يجب أن تتعلم منها أجيال المسلمين ثقافة الاختلاف وتقدير الآخر هذا من تاريخ الإسلام لنعد قليلا إلى مرحلة ما قبل الإسلام، العصر الجاهلي كما نسميه في تاريخ العرب والحديث هنا عن مكارم الأخلاق عند العرب حتى في  أسوأ فتراتها.

فحين كان عمرو بن هشام الشهير بأبي  جهل يهجم على بيت النبي صلى الله عليه وسلم، طلب منه أصحابه أن يقتحم البيت فصرخ في وجوههم قائلا: بل ننتظره حتى يخرج حتى لا نفزع نساء البيت، فقد كان محرما عند العرب في الجاهلية ونقيصة الاعتداء على النساء والأعراض، وهم في جاهليتهم، فماذا عن المسلمين؟

ومن القصص أيضا التي تعلمنا منها فن الأخلاق بين الخصوم قصة البطل التاريخي صلاح الدين الأيوبي مع القائد الأشهر في أوروبا ريتشارد قلب الأسد، فرغم الحرب بينهما إلا أن كلا الرجلين كان يجل الآخر ويحترمه، ويروى أن صلاح الدين الأيوبي أرسل لريتشارد طبيبا لعلاجه إجلالا له وتقديرا لمكانته. هذه أخلاق المتحاربين في عز الحرب فما بالك بغيرهم.

إن الاختلاف في الرأي كما قيل لا يفسد للود قضية، لقد علمنا الشافعي أن رأيه صواب يحتمل الخطأ ورأي غيره يحتمل خطأ ويحتمل الصواب..

وأختم مقالي هذا بحديثه لتلميذه الذي غادر درسه، ليذهب إليه الإمام الشافعي في منزله معلما له ولنا درسا كبيرا بقي خالدا لقرون.. فحين وصل الشافعي إلى منزل تلميذه يونس يسترضيه قال: يا يونس تجمعنا مئات المسائل وتفرقنا مسألة؛ يا يونس لا تحاول الانتصار في كل الاختلافات؛ يا يونس كسب القلوب أولى أحيانا من كسب المواقف.. فليتنا نتعلم من تلك الدروس، هذا درس في فن التعامل ورقي الأخلاق وثقافة الاختلاف المفقودة لدينا على الرغم من فوائدها وجمالها.