سجل أنا صهيوني

18 نوفمبر 2020
+ الخط -

في الوقت الذي نكتب فيه هذه السطور، تحط طائرة وزير الخارجية البحريني في تل أبيب لتوطيد أواصر "المحبة والتسامح"، وهي رغبة جائحة وحميمة حد الجنون، لم نشهدها عند الرجل عندما كان يشغل منصب أمين عام مجلس التعاون الخليجي، إذ أمعن وقتها في تعميق الشرخ الخليجي الخليجي، ولم تحط طائرته في الدوحة أو تحلق باتجاهها لرأب الصدع وتوطيد "التسامح والمحبة" بين الإخوة، لذا يحق لنا اليوم عدم تصديقه عندما يتحدث عن قيم "المحبة والتسامح"، فمن لا خير فيه لأخيه، هو كذاب أشر.

 

كلما تحدث فلسطيني عن تلك الممارسات، قيل له لماذا تتدخل في قرارات سيادية! هل مطلوب من الفلسطيني أن يصمت وهو يرى تلك العواصم الخليجية لا تتدخل فقط في قضيته، بل تبيع أرضه، وتشرعن طرده وتهجيره وحرمانه من بلده

 

هذه الرحلة وتحليق نتنياهو الذي سيليها، على " جناح صهيون" إلى أبوظبي لا علاقة لهما بالتسامح، بل هما انتهاك لحقوق الإنسان العربي الفلسطيني، وبيع أرضه لأسوأ مستعمر عنصري عرفه القرنان العشرون والحادي والعشرون، ففي الوقت الذي كانت فيه طائرة الوزير البحريني تحط في دولة الاحتلال، كان "بيبي" -كما يحلو لأصدقائه في الخليج مناداته- يوقع قراراً ببناء مستوطنات جديدة تفصل بين الضفة والقدس، كما كان يواصل هدم المنازل على رؤوس ساكنيها في المدينة القديمة، بينما يواصل" صهاينة العرب" الترويج لهيكله المزعوم على خطوط الطيران.

كلما تحدث فلسطيني عن تلك الممارسات، قيل له لماذا تتدخل في قرارات سيادية!؟ هل مطلوب من الفلسطيني أن يصمت وهو يرى تلك العواصم الخليجية لا تتدخل فقط في قضيته، بل تبيع أرضه، وتشرعن طرده وتهجيره وحرمانه من بلده، وتمضي اتفاقا مع الاحتلال يتضمن بنودا حول مقدساته وأرضه وحقوقه دون مشاورته، إذا لم يكن هذا تدخلا سافرا، وإمعانًا في حشر الأنف وتخريب القضية فما هو توصيفه إذا؟

 مطلوب من الفلسطينيين السكوت وهم يراقبون كيف تباع أرضهم، وتتحول لعقود تجارية لمشاريع غير شرعية، وفي الوقت الذي يُعفى فيه مستوطنو إسرائيل من التأشيرات، يَعلق الفلسطينيون في المطارات العربية، ماذا يمكن أن يسمى كل هذا؟ إنه كما قال الرئيس التونسي من قبل " خيانة عظمى"، هو كذلك خيانة عظمى.

هناك تيار صهيوني عربي يقول بعض من يعبر عنه إنهم مثقفون وباحثون، لكن الحقيقة أنهم يقومون بتزوير التاريخ  وتزييف الحقائق والمعطيات، حتى أن الصهاينة أنفسهم يتعجبون من مدى صهيونية هؤلاء. يريد بعضهم أن يقول لنا إن المسجد الأقصى كذبة، وأصلاً الآية التي تتحدث عن الإسراء والمعراج منسوخة، ولا يوجد مسجد أقصى من أساسه ولا كنيسة مهد، بل ولا فلسطين، بينما  يفند باحثون يهود في جامعات عريقة كأكسفورد وكامبريدج  ادعاءات الصهاينة ويناصرون الحقوق الفلسطينية، هل يمكن أن يكون صهاينة العرب أصدق من الباحثين اليهود في أرقى الجامعات؟

هناك دول توقع أقذر عقود اقتصادية في التاريخ، بالاستثمار في المستوطنات، بينما دول الاتحاد الأوروبي وحتى أميركا نفسها قبل مجيء ترامب الفاشل، تقر بأن المستوطنات أراض محتلة وليست قانونية؟؟ بعض المتثاقفين العرب يبدو أنهم تقدموا بطلب انتساب لحزب الليكود، لكن ربما يطردهم الليكود نفسه بعد فترة لأنه سيكتشف كم هم حمقى، والأحمق يضر صديقه قبل عدوه.

يبدو أمراً مثيراً بالفعل وعقب كل هذه السنوات التي تلت أوسلو تحقق ما توقعه المفكر الكبير الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري بظهور " الإسرائيلي الوظيفي": وهو المصطلح الذي توقع فيه المسيري ظهور عرب يلعبون دوراً وظيفيا لصالح إسرائيل، ويروجون للمشروع الصهيوني، رغم أنهم يتحدثون العربية، وينتمون لدول عربية وإسلامية، ويصلون في المساجد جماعة، إلا أنهم "صهاينة القلب والفكر والقالب" بحسب توصيف المسيري في إحدى محاضراته المتلفزة .. رحمه الله.