تونس وتمرد حفتر... إنها معركة واحدة

تونس وتمرد حفتر... إنها معركة واحدة

12 اغسطس 2021
+ الخط -

من المفارقة أن الجنرال المتقاعد خليفة حفتر لم ينتظر كثيراً عقب انقلاب تونس ليعلن تمرداً جديداً على الشرعية الليبية، أسابيع قليلة فقط تماماً كما فعل الرجل عقب انقلاب مصر2013 إذ لم تمر شهور معدودة حتى أطلق ما سماها حينها "عملية الكرامة"، والتي كانت في الحقيقة انقلاباً على الثورة وإيذاناً بإشعال حرب أهلية في ليبيا.

ربما يقول البعض: وما علاقة ما جرى في تونس بالتطورات في ليبيا، وقبلها في مصر؟، الإجابة تتأتى من القراءة الموضوعية لمسار الأحداث، فالربط الذي أشرنا له أعلاه هو خلاصة تحليل لسياق الصراع في المنطقة وليس استنتاجات اعتباطية، فسياق الصراع في المنطقة بين الأقليات الحاكمة التي تتوارث السلطة والغالبية الشعبية المقهورة يؤشر بوضوح على أنها معركة واحدة.

فعقب انقلاب مصر وانتكاسة ثورتها انتكست الثورة السورية، وانقض النظام على الحراك، مستفيداً من صعود الثورة المضادة في مصر، كذلك الحال وفي ذات السياق انقلب حفتر على الثورة الليبية عقب انقلاب مصر، واليوم ينقلب الرجل من جديد على الشرعية في ليبيا ويعلن تمرده، لتؤكد كل تلك المعطيات بأن الأنظمة السلطوية الإقصائية تتخادم وتتحالف في مواجهة الثورات الشعبية وتنسق بشكل مباشر أو غير مباشر لإعادة عقارب الساعة للوراء بإعادة انتاج أنظمة الرجل الواحد "الحالة السيساوية في مصر"، "محاولة حفتر إعادة انتاج الحالة القذافية"، "محاولات سعيّد إعادة انتاج حالة بن علي أو بورقيبة".

يهمنا كشعوب في كل ذلك، هو فهم حقيقة الصراع وليس التوقف عند اللحظة الراهنة، فموازين القوى دائمة التغير، والثورات المضادة والانقلابات هي موجة ستخبو وإن علت

إن معركة الربيعيين كما كان يسميهم الصحافي الراحل جمال خاشقجي هي معركة واحدة، فما يحصل اليوم في تونس ينعكس على درعا المحاصرة، إذ أن نظام الأسد الذي يحاصر اليوم درعا ويقصف مدنييها يلقى الترحاب من نظام قيس سعيد، تلك أنظمة تستقوي ببعضها البعض وتشتد هجماتهما على شعوبها كلما حصل انقلاب أو انتكست ثورة، إنها معركة واحدة تخوضها أنظمة عسكراتية ضد تطلعات الشعوب وتوقها للحرية، وليس صحيحاً مطلقاً أنها معركة ضد الإسلاميين، أو من أجل إقصائهم، وإنما هي معركة ضد كل من يعتقد بوجوب الاتفاق على الديمقراطية أداة وحيدة لتبادل السلطة، وعلى حق التعبير وإشراك الجماهير في صناعة القرار وحقهم في مراقبة الدولة، ورفضهم الارتهان للخارج.

والحقيقة في مسألة الخارج فإن ادعاءات الرؤساء الانقلابيين كلما نقذوا انقلاباً أو سطوا على السلطة و"كليشيهاتهم" بأن تحركهم كان انتصاراً للوطن و"قطعاً لتدخل الأيدي الخارجية"، هي  مجرد ادعاءات زائفة، فكل تاريخ الانقلابات يشير بوضوح إلى أن العامل الخارجي  كان فاعلاً فيها بقوة وحاضراً بعمق، ومؤخراً كشفت التقارير عن تنسيق وربما تخابر بين قيس سعيد والرئيس الفرنسي ووضعه في سياق الخطوات التي سيتخذها، تماماً كتخابر وتنسيق حفتر مع باريس وعواصم الثورات المضادة، تماماً كالدور الإسرائيلي الداعم لانقلاب السيسي والحديث عن دور إسرائيلي مشابه في تونس، كلها أدلة تؤكد بأن الانقلابيين هم مجرد أشخاص انتهازيين وأدوات تحركهم أجندات خارجية ، وأنهم قد اتخذوا قراراً مسبقاً بتنفيذ أية أجندات أو طلبات خارجية في سبيل الوصول للحكم أو التمترس فيه وإقصاء الخصوم، باختصار هم مستعدون لتقديم أي تنازلات للخارج مقابل دعمه لهم في البقاء في السلطة والاستحواذ عليها بالكامل.

ما يهمنا كشعوب في كل ذلك، هو فهم حقيقة الصراع وليس التوقف عند اللحظة الراهنة، فموازين القوى دائمة التغير، والثورات المضادة والانقلابات هي موجة ستخبو وإن علت، لكن الأهم هو أن يفهم المشتبكون في معركة الوعي والمدافعون عن الحريات والحقوق أن معركتهم واحدة أينما تواجدوا، فلا يمكن لديمقراطي في أي بلد أن يبارك انقلاباً في بلد آخر لأنها معركة واحدة، فتلك الأنظمة لا تميز بين يساري وإسلامي وإنما تعتقد بأن حربها مقدسة ضد كل من ينازعها على احتكارها للسلطة، أو يطالب بالحقوق والحريات وتقليل مساحات تغولها، هي معركة واحدة ينبغي على الربيعيين والمؤمنين بالحريات والحقوق أن يناضلوا في مواجهة تلك الأنظمة بذات الفهم، فالمعركة ضد نظام الأسد، هي ذاتها ضد انقلابي حفتر والسيسي، هي ذاتها ضد انقلاب سعيد، ومن يعتقد أن بإمكانه  المناورة على حساب المبادئ، فإنه يعاكس منطق وصيرورة الصراع،  وبالمحصلة ستكون نهايته مفاجئة وصادمة.