العقّاد عاشقاً

العقّاد عاشقاً

14 ابريل 2021
+ الخط -

قالوا عن العقّاد: إنّه مغرور.. الكلمة التي يكتبها لا يغيّرها، والرأي الذي يطرحه لا يمكن أن يتنازل عنه أو يحوّره، فهو كاتب حرّ وعنيد، وصاحب رسالة بلا شك.. مثلما كان صاحب إرادة استطاع بها أن يُصبح عظيماً، يدافع عن الحق، ولا ينافق من أجل المال أو الجاه أو حتى من أجل السلامة، فقد تعرّض للسجن، وحُرم من الكتابة، وهي غذاؤه وروحه ونبضه واحتمل، وبقي حرّاً لم تستعيده السياسة أو المتغيّرات السياسية حتى مات.

وقالوا عن العقاد أيضاً: إنّه "جامد" حتى انطبع هذا الجمود على أسلوبه، فليست له عبارة رقيقة، وليست لكلماته شفاه نديّة بالقُبل، طريّة بالغزل، لكنه كاتب الأسلوب العلمي.. يضع عبارات لها وزن في الرأي، ولكن ليس فيها خفقة قلب، واتهموه بالعدوانية تجاه الأنثى حتى أنّهم صوّروا لوحة زيتية كان يضعها فوق رأسه في غرفة نومه.. تمثّل ذبابة وإناء عسل، وزعموا أنّ اللوحة تفسّر رأي العقّاد في الأنثى، وكان دليلهم على كراهيته الأنثى أنّه لم يكتب عنها كثيراً، ولم يحاول أن يفسّر خصائصها في الحياة، وحتى القليل الذي كتبه عن الأنثى كان فيه كنقطة ماء تسقط على حجر.. حتى عندما كتب عن "سارة"، وكانت عشقه وقدومه ورحيله معاً.. كان يكتب عنها بحذر!

لكن حياة العقّاد -في رأيي- غير هذا الزعم، ومشاعره غير هذا الغمط والازدراء. لقد أحبّ العقاد بكل جوارحه، وربّما كان احترامه للأنثى وفلسفته لمعطياتها هو ما دفعه إلى الاقتصاد في الكلام عنها.

كانت "سارة" أجمل بسمة رافقت هذا الفنان وقبلهما معاً.. فالعقاد كان عربياً ومسلماً قضى جل عمره وهو يفضح زيف الفكر المنحرف

إنّه بالفعل رفض أن يخاف الأنثى.. لكنه حاول أن يقترب منها، وأن يفهمها، وأن يرحمها .. فارتوى وتألم وبكى أيضاً. والكاتب لا يبدع إلّا حينما يمتلك تجارب الرؤية أبداً، والكاتب لا يعطي إلّا إذا تألم أكثر ورأى جراحه تنزف .. فالفرح شعور مؤقت!

والعقاد كان إنساناً وكان عاشقاً، وقد عكس مشاعره، وتمسكه بحنان الأنثى على الرجل في حكاية حدثت قبل وفاته بعامين، وقد جلل الشيب رأسه، وكانت الصحافة تلمّح إلى كراهيته للأنثى، وأرادت أن تعطي شاهداً، فأوفدت إليه ممثلة مشهورة، كانت -حينذاك- حلوة ومثيرة الأنوثة، والتقطت عدسات التصوير عشرات اللقطات لهما معاً، وكان يضحك من قلبه، ولكنه التفت إلى الممثلة الأنثى وقال لها: إنّ فيك شبهاً من سارة!

ربما لم يكن بين سارة وتلك الممثلة أدنى شبه، ولكن العقاد أراد أن يقول: إنّني أرى سارة في كل أنثى، أو أنّها هي كل النساء. وهذا شاهد أيضاً على شفافية العقّاد كعاشق، وكإنسان، وشاهد على التزامه حتى في العاطفة، وعلى وفائه!

وفي الكتاب الذي أصدره عامر العقّاد بعنوان: "لمحات في حياة العقاد المجهولة".. نتوقف عند صفحة قارن في سطورها بين "سارة"، و"مي"، التي سماها "هند"، فقال عن الاثنتين هذا التصوير الشفّاف الغدق: (لقد كانت سارة وهند على مثالين من الأنوثة متناقضين. كلتاهما أنثى حقاً لا تخرج عن نطاق جنسها.. غير أنّهما من التباين والتنافر بحيث لا تتمنى إحداهما أن تحل محل الثانية، وتوشك أن تزدريها، تلك مشغولة بأن تحطّم من القيود أكثر ما استطاعت، وهذه مشغولة بأن تصوغ حولها أكثر ما استطاعت من قيود ثم توشيها بطلاء الذهب، وترصّعها بفرائد الجواهر. الحزن الرفيع، والألم العزيز شفاعة عند هند مقبولة إذا لم تكن هي وحدها الشفاعة المقبولة، أما عند سارة فالشفاعة الأولى.. بل الشفاعة العليا هي النعيم والسرور، تلك يومها جمعة الآلام، وهذه يومها شم النسيم. تلك مولعة بمداراة نقائصها لتبدو كما تتمنى أن تكون، وهذه مولعة بكشف نقائصها لتمسح عنها وضر الخجل والمسبّة في معرض الزينة والمباهاة. كلتاهما جميلة، ولكن الجمال في هند كالحصن الذي يحيط به الخندق، أما الجمال في سارة فكالبستان الذي يحيط به جدول من الماء النمير.. هو جزء من البستان لا حاجز دون البستان، وهو للعبور أكثر مما يكون للصد والنفور)!

هذا هو العقاد، ولست أدري كيف نقدر على الاقتناع بأن كاتباً فناناً ومفكراً وعالماً أيضاً يقضي حياته عبداً لعقله، وعقله عبد لخوفه.. ظالماً لروحه!

ولم يكن العقاد بهذه الصفات.. بل كان عطاؤه كمفكر هو لتاريخه، ولعقيدته، ولانتمائه للأرض التي دافع عنها بقلمه، وتعرّض بسببها للعنت، وكان عطاؤه كفنان، حرفاً وعبارة، نابعاً من روح ورحمة الإنسان في أعماقه.

لقد كانت "سارة" أجمل بسمة رافقت هذا الفنان وقبلهما معاً.. فالعقاد كان عربياً ومسلماً قضى جل عمره وهو يفضح زيف الفكر المنحرف.