إضاءات لغوية: جانيك من يجني عليك (1)

02 يناير 2021
+ الخط -

أورد صاحب العقد الفريد أن رجلًا، واسمه السُّليك بن السُّلكة، (وهو غير السّليك الجاهلي الصعلوك) أخِذ بذنب ابن عمه، فلما وقف مكبَّلًا بين يدي الحجاج بن يوسف الثقفي، قال: أيها الأمير! ما ذنبي ولست الجاني؟

قال الحجاج: أما سمعت قول الشاعر (جانيك من يجني عليك/ وقد تُعدي الصِّحاح مبارِك الجُرْب)؟ فأجابه: سمعتُ، ولكني سمعت الله يقول غير ذلك! فأطرق الحجاج -وكان وقافًا عند القرآن الكريم- وقال: ويحك! ماذا يقول الله تعالى؟

قال السّليك: يقول عزّ شأنه "ولا تزر وازرةٌ وزرَ أخرى"؛ فاعتبر الحجاج -واعجب معي- وأمر أن تُفكَّ قيود السّليك، وأن يُرد إليه ما صودر منه، وأن يُنادى في الناس أن صدق الله وكذب الشاعر.

رواية أخرى يتحفنا بها الرواة، يثبتها ابن عاصم الغرناطي في "حدائق الأزاهر"، وفيها أن السّليك لمَّا دخل على الحجاج قال: أصلح الله الأمير! أعرني سمعك واغضض عني بصرك، واكفف عني عزك، فإن سمعت خطأ أو زللًا فدونك والعقوبة، قال: قل! فقال: عصى عاصٍ من العشيرة؛ فخلِق على اسمي، وحرمتُ عطائي، وهدِم منزلي. قال الحجاج: هيهات، أما سمعت قول الشاعر (جانيك من يجني عليك وقد/ تُعدي الصّحاحَ مباركُ الجُرْبِ/ ولربّ مأخوذٍ بذنبِ عشيرةٍ/ ونجا المقارفُ صاحبُ الذنبِ).

قال السّليك: أصلح الله الأمير! إني سمعت الله يقول غير هذا، قال: وما ذاك؟ فأجابه: يقول عزّ جاهه حكاية عن إخوة يوسف (قالوا يا أيها العزيز إن له أبًا شيخًا كبيرًا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين؛ قال معاذَ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذًا لظالمون)؛ فقال الحجاج: عليَّ بيزيد بن مسلم، فلما حضر قال له: افكُكْ لهذا عن اسمه، واصكُكْ له بعطائه، وابْنِ له منزله، ومُرْ مناديًا ينادي في الناس: صدق الله، وكذب الشاعر.

أما في "الأوائل"، فيقدّم لنا أبو هلال العسكري رواية ثالثة، ويعنوّن لها بعنوان [أول من أخذَ الجار بالجار، والولي بالولي، مروان بن الحكم]، ويضيف "هكذا سمعناه، ولا ندري أكان ذلك أيام خلافته أو إمارته، وقد جلدَ شيخًا وتمثَّل (جانيك من يجني عليك وقد/ تعدي الصّحاحَ مباركُ الجُرْبِ)؛ فقال الشيخ: يا فتى! ما هكذا قال الله تعالى، بل قال "ولا تزر وازرةٌ وزرَ أخرى"؛ فرقّ له وخلاه.

نعيش -السطور المقبلة- في ضيافة هذا البيت، نعالج قضيته الأساسية وما أفضت إليه من ملامح، وما اختُلف فيه من استشهادات، فضلًا عمّا تناقلته الرواة بصدده، وإعراب البيت لا سيّما عجُزه.

في صدر البيت، تعرض لنا مفاجأة أن المراد به على غير ما استعمله الحجاج أو مروان؛ فالشاعر الجاهلي لم يجمع البيض في سلةٍ واحدة، ولم يساوِ بين المتهم والبريء، إنما يرشِد إلى البحث والتفتيش والتنقيب عن الجاني الحقيقي؛ لأنه من الظالم والمعتدي، فالجاهلي يعالج السبب لا العرض، ملمحٌ يردع المعتدين، ويخوّفهم عاقبة بغيهم وتجبُّرهم.

واختُلف في صاحب البيت؛ فينسبه بعضهم إلى ذؤيب بن كعب بن عمرو التميمي، في حين نسبه المرزباني في "معجم الشعراء" إلى عوف بن عطية بن الخرع التيمي الجاهلي المفلق، بينما أغفل ابن منظور في "لسان العرب" -والأزهري في "تهذيب اللغة"، وابن دريد في "جمهرة اللغة"- نسبة البيت إلى صاحبه.

لكن وفق توظيف الحجاج/ مروان للبيت فإنه يُتمثَّل به في أخذ البريء بذنب لا دخل له به؛ فيقول إنْ بلسان الحال أو المقال: ماذا جنيت؟ ما ناقتي في هذا ولا جملي! وفي المعنى ذاته تقول العرب (حملت عليَّ ذنبه وتركته)، ومنه جاء قول النابغة (حملت عليَّ ذنبه وتركته/ كذي العُرّ يُكوى غيرُه وهو راتع)، والعُرّ -بضم العين- داءٌ يصيب الإبل في رؤوسها، وكانوا يزعمون أن الصحيح إذا كُوي بحضرة ذي العُرّ برأ؛ فتُكوى الصحاح منها لئلا تعديها المِراض، أما العَرّ -بفتح العين- فهو الجرب، ومن ثم يكون السياق خطأ؛ لأن الجرب لا يُكوى وإنما يُطلى، ومنه قول الفرزدق (أنا القطِران والشعراء جربى/ وفي القطِران للجربى شِفاء).

وكذلك ففي سياق من يؤخذ بالذنب لم تقترفه يداه، يأتي قولهم "كالثورِ يُضربُ لمّا عافتِ البقر"، أي لما عافت شرب الماء، لم تُعاقب هي وإنما عوقب الثور، وقيل الثور هنا (الطحلب)، ويقولون "ما لي ذنب إلا ذنب صحر"، وهي ابنة لقمان، زعموا أن امرأة له خانته فقتلها، وتحوّل إلى عدو للمرأة -حاشاه- ثم دخل على ابنته صحر، وقال "وأنت -أيضًا- امرأة"؛ فقتلها، فقيل "ذنب صحر".

في إعراب صدر البيت تقديم وتأخير، تقدّم الخبر (جانيك) على المبتدأ (من يجني)، وجاز تقديم الخبر على المبتدأ لوجود قرينة ميّزت الخبر عن المبتدأ، وإلا فلا يتميّز المبتدأ عن الخبر سوى بأن يتقدم، ومتى دل المعنى على تمييز الخبر من المبتدأ جاز التقديم والتأخير، وإلا وجب تقديم المبتدأ على خبره.

على هذا، يكون (جانيك من يجني) بمثابة (أكلوني البراغيث)، وهي لغة للعرب، ومثلهما قول الشاعر (شر النساء البحاتر)، وقد طال السجال بين أهل الأندلس في تعيين إعراب البحاتر، ونقله لنا أبو حيّان الأندلسي في الجزء الثالث من كتابه "التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل".

ظُلِم الجاهلي -ذؤيب بن كعب، أو عوف بن عطية- واتُهِم بالإقواء، وممن ظلموه إميل بديع يعقوب في "المعجم المفصّل في شواهد العربية"، قائلًا (فيه إقواء لأن قصيدته مضمومة الروي)، والإقواء عيبٌ من عيوب القافية الشعرية. ويحسن هنا استطراد سريع، إذ قالوا إن النابغة الذبياني دخل يثرب (المدينة المنوّرة لاحقًا)، فلما غُنِّي بشعره (أمِن آل ميّة رائحٌ أو مغتدِ/ عجلان ذا زاد وغيرَ مزوّدِ/ أَفِدَ الترجُّلُ غيرَ أنّ رِكابنا/ لمَّا تزُل برحالِنا وكأن قَدِ/ زعم البوارِحُ أنّ رحلتنا غدًا/ وبذاكَ خبَّرنا الغُدافُ الأسودُ)؛ فطِن إلى موضع الإقواء فيه، وعالجه وتسيّد الشعراء.

في الجزء الثاني نتعرف على حقيقة إقواء الجاهلي في بيته من عدمه، ونواصل الإبحار في مباني هذا البيت ومعانيه.