أصدقاء الزمن الجميل

10 نوفمبر 2020
+ الخط -

أفرحتني كلمات بعض الأصدقاء الذين سبق أن تواصلت معهم منذ أيام في أماكن إقاماتهم عبر الهاتف المحمول، وعدنا نستذكر واقع الحياة وما آلت إليه اليوم بعد مرور فترة زمنية ليست بالهيّنة على مغادرة هؤلاء الأصدقاء والتزام كل واحد منهم في متابعة دراسته، ومنهم من دفعت به ظروفه إلى الهجرة بحثاً عن العمل.

إنَّ العودة إلى تلك الأيام السعيدة، وما حملته من ذكريات، تعيدنا إلى تذكّر أيام الزمن الجميل الذي لا يمكن بحال نسيانه أو العودة به إلى سابق عهده، لأنه يستحيل معها إعادة الصور الجميلة التي أصبحت من الماضي، ولم يكن من بد من الوقوف عندها. تلك الأيام التي ظلت تستأنس غربتنا، فكانت في مجملها ولا أفضل، وها هي تقفز أمامنا هنا وهناك.. ونقف بدهشة نتذكرها بحلوها ومرها، وما انتهت إليه.

ما لفت نظري أن أغلب الأصدقاء أصبح كل واحد منهم يعيش في معزل عن الآخر، في مدينة وبلد بعينه، وهذه المدن التي احتضنتهم، بالتأكيد بعيدة عن بعضها البعض أميالاً.

أما صديقهم الرابع عبد المعين الذي لم تسمح ظروفه بمغادرة مدينتة المنكوبة الرّقّة، وبقاؤه فيها برغم رفضه فظل كما هو يعيش الفاقة والعوز، ولم يحسن إكمال رغبته في الدراسة

وكان من بين هؤلاء الأصدقاء مهدي الذي يتابع دراسته في كلية العلوم الطبيعية في جامعة ولاية كولورادو الأميركية في مدينة دنفر التي يعيش فيها منذ سنوات ، وقد وصل منذ أسابيع إلى نهاية تعليمه فيها بعد أن أنهى دراسته بتفوق ملحوظ.

أما الصديق الثاني عبد الحكيم فهو يعيش في مدينة طوكيو اليابانية، ويدرس علوم الكومبيوتر في جامعتها، وما زال على مقاعد الدراسة، ويطمح، كما عهدناه، إلى الحصول على درجة الدكتوراه في هندسة البرمجيات، أما صديقنا الثالث مهيار فقد فضل السفر إلى كندا ودراسة الفنون الجميلة في جامعة مينو نايت الكندية، وحقق نجاحاً باهراً في دراسته، وبعد أن أنهاها بتفوق، وحصوله على جنسيتها فضّل العمل في إحدى الجامعات في الخليج، واستقر هناك بعد أن تزوج ورضي بالمقسوم.

وأخيراً عبد المعين، فقد دفعته ظروفه إلى المكوث في الرّقّة، المدينة المنكوبة التي غزاها تنظيم"داعش"، وكان لوجوده أكبر الأثر في دفع السكان إلى الهرب منها، ومن لم تسعفه ظروفه المادية،  في اللحاق بركب أصدقائه في طلب العلم، فظل يعيش فيها في خوف ورعب على الرغم من الوضع المؤسي الذي عانى منه جميع الأهالي، ولم يخلص أبناءها من أحكامهم الجائرة، واشتراطاتهم المذلة، وسيوفهم الباترة التي قضت على الكثير من شبابها، وتطبيقهم لأحكام الشريعة الإسلامية في أحكامها الصارمة غير المنصفة، وبعد ذلك غزت الولايات المتحدة الأميركية بالتعاون مع حلفائها، ومنها قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، وبذريعة إخراج "داعش"، المدينة التي دمروا جزءاً كبيراً من المدينة التي تحولت إلى أكوام من الحجارة، وقتل أهلها وتشريدهم..

هؤلاء الأصدقاء، كل يعاني سواء من حطت به ظروفه الإقامة في الولايات المتحدة ودراسة العلوم الطبيعية، ومعرفة ما وصل إليه العلم الحديث، أو ذلك الذي وصل إلى اليابان وعاش فيها سنوات من عمره للحصول على رغبته، والعودة إلى بلده حاملا إجازة في علوم الكومبيوتر واختصاصاً في هندسة البرمجيات، وذاك الذي درس الفنون الجميلة في إحدى الجامعات الكندية، وفضل الإقامة بصورة دائمة في دول الخليج.

أما صديقهم الرابع عبد المعين الذي لم تسمح ظروفه بمغادرة مدينتة المنكوبة الرّقّة، وبقاؤه فيها برغم رفضه، فظل كما هو يعيش الفاقة والعوز، ولم يحسن إكمال رغبته في الدراسة، بسبب محاربة "داعش" لكل طالب علم، أو حتى في السفر، حلمه الأزلي، مثل الكثير من الأصدقاء والمعارف والعيش في بلاد النعيم، والاستقرار فيها بحثاً عن الأمان الذي فقده، وافتقده الكثيرون غيره من أهالي المدينة التي لا تزال تعيش المعاناة بكل صورها.