أسرة مقهورة!

01 مارس 2021
+ الخط -

لفظتها الحياة على الرغم من جاذبيتها. ظلّت معاناتها قاسية بغياب الزوج والولد، الذي أكثر ما كان يهمّه معاشرة النساء ومعاقرة الخمرة، والسجن ملاذه الدافئ، وابنة وحيدة متزوجة ولها أربعة أطفال، من زوج سبق له الزواج بثلاث نساء!

تقضي جلَّ يومها في حل مشكلة ابنها، وتربية أطفال ابنتها الصغار. حيلتها سكن بسيط ودخل بالكاد يكفي احتياجاتها، وتركض هنا وهناك باحثةً عن عمل يسدُّ رمق هذه اﻷسرة المقهورة، التي تعيش أيام ضنك، وعَوزاً وفقراً مدقعاً لم يشفع لها يوما!ً.

تمكنت أخيراً، وبعد جهد جاهد، من إيجاد عمل لها وبأجر زهيد، خادمة في أحد بيوت المترفين، يساعدها على حل جزء يسير من متطلبات الحياة، هنا في الوﻻيات المتحدة.

إنّها سيّدة شابّة في حدود الثامنة والثلاثين، رائعة الجمال، طاغية الأنوثة، زد على ذلك رقّة الصوت، ولياقة الاستقبال. امرأة فاتنة!. جلستُ أمامها ـــ كان ذلك في مدينة سلايديل ـــ في ولاية لويزيانا الأميركية في عام 2012.

تلميذ يجلس أمام أستاذة، ويا ليت أنّها أستاذ بمعنى الأستاذية فقط، ولكنها عدّة أساتذة. 
قامتها كالرمح الذي لا عِوج فيه. أستاذ.

سمرتها الخفيفة التي اكتسبتها من شمس البحر ومن يُودِه. أستاذ. 
وعيناها الخضراوان. أستاذ. 
وشفتاها بلون الفريز "الفراولة". أستاذ. 
أما صدرها فقد كان كما تراءَى لي مجموعة أساتذة.

والصدر واليدان.. كل ناحية منها بدت لي وكأنها أستاذ، نما وكبر قبل أن تتخرج هي من أي معهد أو كلية.. وتفضّل أيها الوافد من دهاليز الحريم الشرقية، وتدرّب إذا كانت لا تزال في عقلك بقية تستوعب التدريب.

تظل هناك أشياء أكثر قرباً للإنسان، وأهمّها روحه الطيبة، وسعادته في العيش في بلده وبين أهله وأصدقائه ومعارفه

قرأت كل ذلك في جلسة عائلية بسيطة جمعتنا مع صديق من قرية "جبل المُكبّر" الفلسطينية، وآخر أميركي من مدينة "دِنْفر" عاصمة ولاية كولورادو، وفتاة شابّة بعمر الورود من كندا، وكنت رابع الحاضرين من الشرق الأوسط.

جمعتنا الصدفة، وكان اللقاء محبّباً استمرّ لفترة زمنية تجاوزت ثلاث ساعات، وأضاف عليه صديقي الفلسطيني روحاً مرحة، بحديثه المشوّق، وإسقاطاته (الخبيثة) التي أراد من خلالها أن يقول: (نحن العرب، وبرغم الحاجة والفقر المدقع الذي نعاني قياساً بما أنتم عليه من بذخ أيها الأميركيون، نظل نمجّد ماضينا التليد، ونحافظ على أصالتنا مهما بعدنا عن الوطن والأهل والأحبّة، وعن كل ما له من ماضٍ تليد، فهذا كلّه لا يمكن له أن يلفظنا عن أحبّتنا، برغم توافر الماء والخضرة والوجه الحسن، وأضيف عليه الإقامة الطيّبة والدولار سيّد العملات وفخرها).

تظل هناك أشياء أكثر قرباً للإنسان، وأهمّها روحه الطيبة، وسعادته في العيش في بلده وبين أهله وأصدقائه ومعارفه، وهذه وحدها تكفي في حال أردنا أن نبحث، وبجدية، عن الحياة والاستقرار والأمان والشعور بالراحة، إلى جانب من نحب من أهل وأصدقاء ومعارف، كل ذلك ما يعنيه من استقرار، وإن كانت معيشتنا بعيدة عن أمثال هذه الصور الجمالية وأستاذته الملفتة، غير متناسين أننا في بلادنا العربية التي ننتمي إليها، وعلى الرغم ما ألفينا عليه في الوقت الحاضر.

هناك ما هو أكثر جاذبية وأجمل وأرقّ بكثير من أمثال هذه الأنثى طاغية الجمال، فضلاً عن الأسرة، و"اللمّة" البسيطة بين الأهل والأحبّة والأصدقاء والمعارف، وكل ما يتعلق بالحياة العامّة التي تحرّك فينا الكثير من المشاعر الفيّاضة والدفء والحنان، وهذا أكثر ما يفتقده المغترب ـ العربي بعيداً عن أهله وبلده، وكل ما يبحث عنه، برغم توافر المال، الذي لا أظن أنّه قادر على أن يرسم معالم السعادة وطقوسها التي نفتقدها في الغربة، فضلاً عن كثير من النوافذ التي أسهمت في رسم الصورة الإيجابية لدى الأغلبية من المغتربين، ممن هيأت لهم الظروف القاسية التي عانوا منها في الوصول إلى كثير من الدول الأوربية، وساعدت إلى حد بعيد في بناء الشخصية العربية التي تحرّرت من معوّقاتها السلبية التي سبق أن واجهتها، في ظل بعض الحكومات المتغطرسة التي أكثر ما يهمها التشبّث في الكرسي على حساب المواطن "المعتّر"، الضحية، ما جعل منها أكثر توقاً إلى الحياة العامّة التي تشعبت وصارت تشكل روحاً أكثر تألقاً، وهذا ما عكس واقع الحياة على أهلنا الغرباء في كل مكان، نتيجة ما كرّسته الحروب الدامية التي كان لها أثرها المباشر على حياتهم البائسة ومستقبلهم الغامض، وهذا ما يؤسف له.