أحداث بسيطة من أيام رضوى (6)

01 ديسمبر 2020
+ الخط -

فوجئت رضوى بنوبة ألم في الباص المغادر إلى الكلية، طالما شبهت الأمر لنفسها بأنه كمخاض بدرجة أقل. أحاطت بطنها بيديها وحاولت الحصول على أكبر قدر ممكن من الدفء حين سمعت سؤالا: ما الذي يشبه المخاض لكن بدرجة أقل؟

ارتعبت لوهلة وهي تعتقد لثانية أن شخصا اخترق تفكيرها قبل أن ترد: هل قلتُ هذا بصوت عال؟

سمعت ضحكة أشبه بنغمة لطيفة، نغمة ترتفع كل خمس ثوان ثم تعود للانخفاض. تذكرت أن ألمها يمنعها من التفكير بصمت، فتصرخ كي تستطيع الأفكار أقوى منه.

توقف صوت الضحك وخف الألم، فرفعت عينيها وصوتها قائلة: وماذا تعتقد؟ الدورة الشهرية طبعا!

- ولم تقولين هذا بغضب؟
- لست أعرف! لكنه المزاج المصاحب لهذه الحالة.

فكرت رضوى في الحصص التي يجب أن تتحمل الألم فيها وقررت - بكل سهولة ودون أدنى قدر من الذنب - العودة إلى هدوء المنزل ودفئه لتنام.

هل جربت مرة أن تنادي باسمك في الشارع وتلوح لشخص غير موجود أو لنفسك إن كان ذاك محتسبا؟

 

لكن الصوت أيقظها مجددا: هل أنت ذاهبة إلى الكلية؟ 
- نعم. لم شعرك طويل؟
- أحبه هكذا. هل ستذهبين إلى الكلية بمخاضك هذا؟ 
- لم أنت مزعج؟ بل سأعود.

 

ضحكة أخرى صافية: لا أعرف. آمل أن يتوقف الألم قريبا.

توقف الألم لبرهة وتوقف الباص، فأسرعت رضوى بالنزول قبل أن تهاجمها نوبة الألم التالية، تستمر هذه النوبة طويلا وتنتشر في جسدها ببطء حتى تفقد القدرة على المشي. حين جلست في مقاعد انتظار الباص استطاعت أن ترى شخصا ذا شعر طويل يلوح لها بهدوء طفل بصحبة جدته.

حين استقرت أخيرا بين بطانيتيها الحمراء والخضراء تذكرت الشاب، وسألت لأول مرة والدتها: أمي، هل كان والدي يترك شعره يطول حتى كتفيه؟

- أوه! كلا. قالت كما لو أنها تبعد شبكة عنكبوت من أمام وجهها. بل كان رجلا عاديا جدا، لا يمكن تمييزه من الخلف عن أي رجل آخر.
- آه.. التقيت فتى صدفة هذا اليوم.
- بشعر طويل؟
- نعم. 
- وتخيلت أن والدك هكذا؟
- مجرد احتمال.

واستمرتا في مشاهدة فيلم قديم.

في اليوم التالي ذهبت إلى الكلية مسلحة بملابس دافئة ودواء للضرورة، جلست في مقعد قرب النافذة وتجولت على الوجوه خارج الباص بعينيها، انتبهت إلى شعر طويل كستنائي تحت أشعة شمس الخريف، غمرها المشهد بدفء شعرت به بين أحشائها. صادفته حين نزلا من الباص، نادته دون أثر للتردد: وليد!

واستدار. انتظر حتى بلغته وهمس بصوت كما لو أنه استعاد صوته بصعوبة: وكيف عرفت اسمي؟

- أصبت بالبرد؟
- بوادره. كيف عرفت اسمي؟

كان ينحني قليلا لتستطيع سماعه، انتبهت إلى أنه أطول منها بشكل ملحوظ. ابتسمت وقالت: مجرد تخمين. فكرت كالتالي: إن ناديت بهذا الاسم فسوف تستدير إن كان اسمك، ولن تفعل إن لم يكن، ولم أكن لأنادي أكثر من مرتين.

- فكرة جذابة! واستأنفا المسير.
- هل جربت مرة أن تنادي باسمك في الشارع وتلوح لشخص غير موجود أو لنفسك إن كان ذاك محتسبا؟

سمعت نغمة الضحك نفسها: وهل فعلت أنت؟
- نعم.
- وبماذا شعرت؟
- بأني أحب نفسي!