70 عاماً على الجمهورية الشعبية: دروس شيوعية من الصين

04 أكتوبر 2019


يعتبر البعض أن المفهوم الشيوعي المرتبط بدولة عظمى قد انتهى مع انهيار الاتحاد السوفييتي (1917 ـ 1991)، وهو انهيار ناجم عن عدم قدرة موسكو على استيعاب المتغيرات التي سادت في عالم ما بعد حرب فييتنام (1955 ـ 1975)، ثم في عدم القدرة على تطبيق "الغلاسنوست" (الشفافية) و"البيروسترويكا" (إعادة الهيكلة). النهاية الحتمية للسوفييت لم تؤدِ إلى نهاية مماثلة للحزب الشيوعي الصيني، الذي قاد دينغ شياو بينغ، بدءاً من عام 1978، حملة تطويره وانخراطه في سوق العمل العالمي بمفهومه الغربي. وبعد نحو 41 عاماً على انتفاضة دينغ بوجه "عصابة الأربعة" المؤلفة من جيانغ كينغ وهي زوجة ماو تسي تونغ الأخيرة، وتشانغ تشون تشياو، وياو ون يوان، ووانغ هونغ ون، وتوقعه بحاجة الصين إلى 50 عاماً لتحقيق نهضتها ونموّها، أضحت الصين رمزاً لثورة متجددة في الشرق الآسيوي من جهة، وللبراغماتية الشيوعية من جهة أخرى.

كل ما فكر به كثر في الاستعراض العسكري الأخير للصين، يوم الثلاثاء الماضي، هو كيفية وصولها لهذه المرحلة من دون التخلي عن نظامها الشيوعي. يبدأ كل شيء من فكرة ارتداء الرئيس شي جينبينغ، بذة مشابهة لبذة ماو، في الذكرى الـ70 لتأسيس جمهورية الصين الشعبية، ومشاركة أكثر من 15 ألف جندي ومعهم أكثر من 580 دبابة ومئات العربات والطائرات وأفواج المشاة في الاستعراض، فضلاً عن كشف النقاب عن صاروخ "دي أف 41" البالغ مداه نحو 14 ألف كيلومتر والقادر على حمل رؤوس نووية، أي أن بإمكانه الوصول إلى الولايات المتحدة عملياً. يعني كل ذلك أن الصين لم تعد تلك الدولة التي طالما تورّطت في خلافات وحروب مع جيرانها، كاليابان والهند وفييتنام، بل دولة تسعى لاختراق العالم اقتصادياً.

ولفهم كيفية تحقيق الحزب الشيوعي ذلك، في نظام غير ديمقراطي ويحرم تعدد الأحزاب خارج منظومة الحزب، تجدر الإشارة إلى ما قاله رئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني في تقرير عمل قدمه إلى الدورة السنوية للمجلس، في عام 2009، وو بانغ كوه: "إن الصين تتبنّى نظاماً يقوم على التعاون والتشاور السياسي بين الأحزاب تحت قيادة الحزب الشيوعي الصيني، وليس نظاماً متعدد الأحزاب على الطراز الغربي، والذي بدوره يمكّن الأحزاب المختلفة من الوصول للسلطة من خلال الانتخابات".



التشاور السياسي بين الأحزاب يمرّ بمجلس استشاري يضمّ اللجنة الثورية لحزب الكومينتانغ، والرابطة الديمقراطية الصينية، والجمعية الديمقراطية الصينية لبناء الوطن، والجمعية الصينية لتنمية الديمقراطية، والحزب الديمقراطي الصيني للفلاحين والعمال، وحزب "تشي كونغ دانغ"، وجمعية جيو سان، ورابطة الحكم الذاتي الديمقراطي في تايوان (تجمّع الأحزاب التي تأسست قبل عام 1949 تاريخ انفصال تايوان عن الصين). وهو تشاور يساهم في التركيز على الأبعاد الاقتصادية للصين أكثر من الأبعاد السياسة، ولا يعود ذلك فقط إلى ما تمنحه السلطات في بكين لهذه الأحزاب من جهة وللشعب من جهة أخرى، بل يمرّ بعاملين أساسيين.

العامل الأول، هو تبيان حقيقة تأثر الصينيين بمبدأ "القومية الصينية"، خصوصاً أن مسببات هذه القومية كثيرة في الفترة الأخيرة، بدءاً من الصراع على بحر الصين الجنوبي، والذي تحوّل إلى أداة تكرّس الصمود الصيني بوجه التغلغل الأميركي، مروراً بقضية هونغ كونغ وبدرجة أقلّ ماكاو، اللتين تعتبرهما الصين جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، وصولاً إلى الإجراءات الاقتصادية الأميركية التي تمحورت حول فرض الضرائب والعقوبات على البضائع الصينية.

العامل الثاني، هو مواصلة سلطات الصين مكافحة الفساد داخل الحزب الشيوعي، ففي عام 2018، نظرت المحاكم الصينية في 28 ألف قضية رشى، شملت 33 ألف شخص، من بينهم 18 مسؤولاً سابقاً على مستوى مقاطعات ومستويات أعلى. كما تمّت محاكمة 32 مسؤولاً كبيراً سابقاً. ومنذ المجلس الوطني الـ18 للحزب الشيوعي الصيني 2012، تمّ التحقيق مع أكثر من 500 مسؤول كبير، وتمّت إعادة آلاف المتورطين في قضايا رشى والذين هربوا للخارج، بمن فيهم رئيس الإنتربول المستقيل مينغ هونغ وي العام الماضي، بتهمة تلقيه الرشى. ومنذ عام 2014، أعادت عملية "سكاي نت" نحو 5000 هارب واستعادت أكثر من 13 مليار يوان (1.94 مليار دولار) من قيمة أصول مسروقة. مع العلم أنه في عام 2017، ذكرت اللجنة المركزية لفحص الانضباط للحزب الشيوعي الصيني أنه في نهاية 2016، أجرت اللجنة تحقيقاً مع 240 مسؤولاً على المستوى المركزي وعاقبت 223 منهم، وسجلت إدارة التفتيش والرقابة التأديبية 1.162 مليون حالة فساد وعاقبت 1.199 مليون شخص. وتم القبض على 2566 مسؤولاً من الذين هربوا إلى الخارج بنهاية 2016، وتمت استعادة 8.64 مليارات يوان (حوالي 1.3 مليار دولار)، ومن بين قائمة الـ 100 الهاربين والمدرجين على قائمة الإنتربول الحمراء اعتقل 43 شخصاً.

إذاً ما فعله الحزب الشيوعي لناحية "تنقية صفوفه" يسمح في الحفاظ على الولاء الشعبي له، فضلاً عن مواصلته تحقيق أهدافه المستقبلية متعهداً بالدخول إلى مجتمع أكثر ازدهاراً في الصين بحلول عام 2021. وقد استطاعت الصين اخراج ما مجموعه 550 مليون نسمة في المناطق الريفية في الصين من الفقر بين عامي 2013 و2016، وتم تخفيض عدد الفقراء بمعدّل 10 ملايين شخص سنوياً في أربع سنوات متتالية، حسب الإحصاءات المنشورة على وسائل الإعلام الصينية المحلية.

غير أن أهم ما بات يتمتع به الحزب الشيوعي الصيني، هو سيطرته على عدد من الشركات. صحيح أن منتسبي الحزب بلغ عددهم نحو 90 مليون نسمة، إلا أن وجود جاك ما، مؤسس مجموعة "علي بابا"، ورن تشنغ فاي مؤسس مجموعة "هواواي"، في الحزب، طرح أسئلة حول مدى الجمع بين الفكر الرأسمالي وتوسع الشركتين والبنية الفكرية للحزب الشيوعي. فحجم أعمال "علي بابا" المخصصة للبيع بالتجزئة عبر الإنترنت، بلغ في العام الحالي 56.2 مليار دولار، و"هواوي" 105.2 مليارات دولار للعام 2018. وتضمّ مجموعة "علي بابا" 102 موظف، في مقابل 188 ألف موظف لـ"هواوي". هذا عدا شركة "سينوبيك" و"الشركة الوطنية الصينية للنفط"، اللتين تمددتا خارج البلاد، وتحديداً صوب أفريقيا وأميركا الجنوبية، وشركة السكك الحديدية الصينية، العاملة على خط الحرير الجديد، تحديداً في آسيا الوسطى وأفريقيا. أسلوب الشركات، الذي طالما كان ناجعاً غربياً، تحوّل إلى نمط أفرزته سياسات دنغ تشياو بينغ ومعيار للنمو الصيني ومرونة الحزب الشيوعي. وقد تكون الشركات سبباً في إطفاء الثورة الصينية، في حال حدوث أزمة مالية ما.


دلالات

ذات صلة

الصورة

أخبار

أعلنت الصين، اليوم الأربعاء، أن الولايات المتحدة أمرتها بإغلاق قنصليتها في هيوستن، في قرار وصفته بكين بأنه "استفزاز سياسي" سيسيء بشكل إضافي للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
الصورة

اقتصاد

تحظى السيارات الكهربائية التي تصنعها شركة "تسلا" Tesla الأميركية باهتمام كبير في السوق الصينية، حيث زاد تسجيل مركباتها بنسبة 32% في يونيو/حزيران الماضي قياساً بالشهر السابق، لتنافس الألمانيتين "بي.إم دبليو" BMW و"مرسيدس" Mercedes.
الصورة

سياسة

يجتمع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، اليوم الاثنين، لمناقشة إجراءات بحق بكين، بعد تطبيق الأخيرة لما يُسمّى "القانون الأمني" في هونغ كونغ، في وقت انضمت دول أوروبية مترددة إلى تيار عام منتقد ومطالب بعقوبات وضغوط ضد السلطات الصينية.
الصورة
dollars991

اقتصاد

يتزايد الطلب العالمي على الدولار في أسواق العالم وسط الحاجة الماسة لتسديد الديون التي حان أجلها في العالم. ويقدر حجم النقص في العملة الأميركية بالاقتصادات الناشئة وأوروبا والصين بنحو 13 ترليون دولار.