يوم سعيد للأسد

15 فبراير 2016
الصورة
"لو كنت مكان الأسد لكان هذا اليوم سعيداً لي، لأنّ الحكومة الأميركية صرّحت أنّها لن تقاتل لإسقاطي"، تلك هي النتيجة التي وصل إليها السيناتور الأميركي، ليندي غراهام، في استجوابه، قبل أشهر قليلة، في لجنة الشؤون العسكرية في الكونغرس، كلاًّ من وزير الدفاع الأميركي، آشتون كارتر، وأكبر رتبة عسكرية في الجيش الأميركي، الجنرال جوزيف دانفورد.
حاصر غراهام المسؤولين الأميركيين بأسئلة محددة دقيقة عن الاستراتيجية الأميركية في سورية، وحشرهما في الزاوية، لم يعطهما فرصة المناورة، ليصل بعد ذلك إلى خلاصةٍ مهمةٍ جداً، من الضروري أن نقرأها جيّداً وهي "الأسد آمن ومطمئن طوال اليوم! هذا ما يحصل يا سادة، هذه الاستراتيجية فاشلة تماماً، روسيا وإيران وحزب الله سيقاتلون دفاعاً عن رجلهم، ولن نقوم بفعل أي شيء لمساعدة أهل سورية الذين يريدون تغييرها إلى الأفضل عن طريق التخلص من الديكتاتور في دمشق".
ثم يسأل السيناتور وزير الدفاع بوضوح: هل تتوقع بطريقة ما يا سيادة وزير الدفاع (آشتون) كارتر أن نقاتل لدعم مجهود يهدف إلى إسقاط الأسد؟ أي أننا سنقاتل إلى جانب الناس الذين يريدون إسقاط الأسد في سورية؟ هل يمكن أن يحدث ذلك على المدى البعيد؟ وعندما يحاول الوزير التهرّب من الجواب، ينتهي إلى نفي أي احتمال لتقديم دعم عسكري لإسقاط الأسد، ينهي غراهام المقابلة بالقول: ما قمتم به أيها السادة، بمشاركة الرئيس (أوباما)، أنكم سلمتم سورية لروسيا وإيران، وقلتم للناس الذين ماتوا بمئات الألوف، إننا نهتم بحل سياسي أكثر مما يمكن أن يحصل بعد ذلك.
ذلك الاستجواب، قبل أشهر، كان على درجةٍ كبيرة من الأهمية، لأنّه يفضح الاستراتيجية الأميركية بوضوح، ويخرج من سياقات الكلام الدبلوماسي المعلّب الذي تتقنه الإدارة الأميركية مع العرب. لكنّنا قد نكون تجاوزنا، بدرجةٍ كبيرةٍ، تلك التوضيحات اليوم، عبر ما تمّ تسريبه من لقاء جمع وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، بناشطين سوريين، أخيراً على هامش مؤتمر لندن لمساعدة اللاجئين، ملخّص ما قاله إنّ المعارضة السورية ستتعرض للإبادة خلال ثلاثة أشهر، ستكون أشبه بالجحيم، نظراً لما يخطط له الروس في القصف الجوي ضد المعارضة السورية.
ما تراه بعينيك ليس كما تسمعه بأذنيك، فالقصف الهمجي العنيف (أو استراتيجية الجحيم) بدأ بالفعل، وهنالك تقارير وكلام يأتي من المعارضة السورية في شمال حلب، يصف ما يحدث اليوم بأنّه غير مسبوق أبداً في حجمه ونوعه ودمويته، ما دفع عشرات الآلاف من السوريين إلى النزوح إلى الحدود التركية، وأحدثَ ضغوطاً شديدة على الحاضنة الشعبية في حلب على المعارضة لإيجاد مخرج من الأوضاع الكارثية الراهنة.
النظام والروس والإيرانيون يستخدمون استراتيجياتٍ تضع الجميع أمام خيارين؛ الإبادة الكاملة عبر القصف الذي لا يميز مدنياً أو عسكرياً، طفلاً أو رجلاً كبيراً، والتجويع حتى التركيع، كما حدث، ولا يزال، في ريف دمشق، أو التهجير القسري بالتدمير الكامل للمناطق المستهدفة.
بالعودة إلى تصريحات كيري والموقف الأميركي، صدر تصريح عن مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، يحاول فيه التلاعب بدلالة ما قيل، فلم ينف ما قاله الوزير الأميركي، بل اعتبره كلاماً خاصّاً في جلسة غير رسمية، وأعاد تأكيد المواقف الدبلوماسية المدبّجة بعبارات فضفاضة هلامية، أقرب إلى الخداع والتضليل منها إلى الموقف الحقيقي الذي من الواضح أنّه انقلب رأساً على عقب، ويكفي العودة إلى الاستجواب المذكور في بداية المقال للتأكد من النتيجة المهمة التي وصل إليها السيناتور الجمهوري.

إذاً في ضوء ذلك، يصبح الحديث عن التدخل السعودي- التركي- العربي العسكري البري المطروح اليوم أشبه بالأحجية أو اللغز الحقيقي. ووفقاً لحوار بيني وبين مصدر دبلوماسي عربي رفيع المستوى، فإنّ كل يوم يمرّ تتغيّر فيه الوقائع على الأرض في سورية، ويصبح موضوع التدخل أشبه بالصعب جداً بل المستحيل، وإذا افترضنا أنّ السعوديين يفكرون بأسابيع قليلة، فسيكون الأمر، وفق المعطيات الراهنة، إنْ لم يحدث تغيير نوعي وجذري، غير ممكن، بعد أن تكون قوات الأسد قد عادت إلى إحكام قبضتها على الحدود التركية.
قصة التدخل البري العسكري معقّدة جداً، حتى سياسياً، فالروس والإيرانيون لن يسمحوا بأيّ حال بوجود قوات تركية - عربية على الأراضي السورية، فذلك بمثابة اختطاف ما يعتبرونه نصراً عسكرياً. أمّا موقف الأميركيين فهو أقرب، من وجهة نظري، إلى التحايل والتضليل الدبلوماسي.
هل فعلاً لا تمانع إدارة الرئيس أوباما بتسليم سورية إلى الإيرانيين والروس، كما خلص السيناتور غراهام؟ سيعارض كثيرون هذه النتيجة، ويرون أنّ المنطقة لا تزال تتوفر على أهمية استراتيجية كبيرة لدى الأميركيين، فليس من السهولة القول إنّ الإدارة الأميركية تتخلّى عنها للطرف الآخر. ربما، لكن أليست العراق استراتيجياً واقتصادياً على القدر نفسه من الأهمية للولايات المتحدة الأميركية؟ ألم تسلمها واشنطن عملياً لطهران، فلماذا نستصعب الأمر في سورية، خصوصاً إذا أخذنا بالاعتبار أنّ كيري، في تصريحاته، كان يلوم المعارضة، وأنّه، عشية مؤتمر جنيف، أخيراً، هدّدها في حال رفضت الذهاب إلى هناك، وأخبرها أنّه لا توجد ضمانات لرحيل الأسد.
قد تكون المسألة السورية أكثر تعقيداً من خلاصةٍ سريعة مختزلة، بأنّ واشنطن لا تمانع في تسليم دمشق لطهران وموسكو، مع الاتفاق على صيغة أو معادلة معينة من المصالح المشتركة. فهنالك جوانب متعددة لقراءة المشهد. لكن، علينا ألا نحذف جملاً ومفاهيم رئيسة من عملية "العصف الفكري" الحالي في التحليل؛
أولاً؛ الصفقة النووية الإيرانية - الغربية، وهرولة دول عديدة في الغرب إلى حصد مصالحها الاقتصادية مع طهران.
ثانياً؛ التحول في تعريف الأميركيين والغربيين لمصادر التهديد، ليصبح داعش والقاعدة هي المصدر الرئيس، بينما لا تشعر دول غربية وأوروبية عديدة بحاجتها إلى تغيير الأسد، طالما أنّ البديل سيكون نظاماً إسلامياً، معتدلاً كان أو متطرفاً.
ثالثاً؛ منطق القوة والمصالح، فإيران هي القوة الإقليمية الصاعدة التي تمتلك نفوذاً متنامياً، والروس يريدون جزءاً من النفوذ، بينما دول الخليج والعالم العربي السنّي يعاني من أزمات بنيوية داخلية كبيرة، والعقيدة الوهابية، وفق رأي الأميركيين، هي نتاج العالم السني، وبصورة خاصة المملكة العربية السعودية.
رابعاً؛ ما قيمة أو أهمية سورية الاستراتيجية، في حال فشل الحل السياسي، فستكون أرضاً خصبة للنزاعات المسلحة ولأمراء الحرب، وحرب دولية وإقليمية بالوكالة، فلماذا يتورّط أوباما عسكرياً في هذا المستنقع. وفي حال نجح الروس في تحقيق اختلال كبير في التوازن العسكري، فإنّ ما تم تدميره من البلاد يتطلب عقوداً من الإعمار والبناء وإعادة الاستقرار، ولن تكون عملية بسيطة أو سهلة.
بالنتيجة؛ ثمّة تحولات عميقة كبيرة نوعية في الإدراك الغربي الأميركي للمنطقة، وللأزمة السورية، وهنالك بطء شديد واستجابة هشّة، وتمسّك بأفكار بالية من كل من السعودية وتركيا، ومعهم باقي الدول العربية، بينما الوقت يمرّ سريعاً لصالح الحلف الآخر الذي يدخل، بكل قوة، لتحقيق أهدافه العسكرية والاستراتيجية، وإذا لم تنطلق الرؤية العربية - التركية المفترضة من قناعة عميقة برفض الكلام الدبلوماسي الأميركي المنمّق، والتفكير بصورة مستقلة لحماية المصالح المشتركة، فإنّ النتائج على المديين، المتوسط والبعيد، ستكون كارثية على أكثر من مستوى وصعيد.