يولاندة غواردي: وقفة عند القصة القطرية

20 اغسطس 2020
الصورة
(يولاندة غواردي)
+ الخط -

تُعدّ الباحثة والمترجمة الإيطالية يولاندة غواردي من أبرز الأسماء الأوروبية المهتمّة بـ الأدب العربي، وهي تنطلق في ذلك من نظرة تحاول تجاوُز القراءات الجاهزة بالعودة إلى النصوص وإعادة تأويلها لفهم ظواهر ثقافية أشمل. يوم الإثنين الماضي، كانت غواردي ضيفة "الملتقى القطري للمؤلفين"، وقد جعلت - في الحوار الذي أداره عن بُعد الباحث الجزائري عبد الحق بالعابد - من "القصة القصيرة النسوية في قطر" محور حديثها.

بدأت الباحثة الإيطالية كلمتها بإضاءة عامّة على علاقة الثقافتين العربية والإيطالية من خلال الترجمة، حيث تشير إلى عدم رضاها عمّا أُنجز، وهنا تؤكّد أنها لا تقصد الإشكاليات التقنية المتعلّقة باختيار النصوص وتحديد المقابِلات المصطلحية وما إلى ذلك، بل إن "المشكلة الحقيقية التي تواجه ترجمة الأدب العربي هي غياب المؤسّسات على مستوى الدعم والترويج والتخطيط"، بحسب تعبيرها.

تُخفي هذه الوضعية العامّة ما هو أشدّ إشكالية، فمثلاً تلاحظ غواردي أن بعض البلدان العربية - ومنها قطر - لم يشتغل المترجمون الإيطاليون على أي نص لمؤلّفيها. تقول: "هذا وضعٌ ينبغي أن يتغيّر إنصافاً لمؤلّفين من بلدان عربية كثيرة"، مذكّرة بأن المسؤولية لا يتحمّلها المترجمون وحدهم؛ حيث إنّ المؤسّسات الثقافية ودُور النشر ينبغي أن تلعب أدواراً في إيصال أدب كل بلد عربي.

وحول الموضوع الرئيسي لمداخلتها، تشير غواردي إلى أن الكتابة النسائية في قطر تعاني من نفس ما تعاني منه الكتابة النسائية في كل بلدان العالم، وهو أنَّ النقّاد يأتونها من فرضية مفادها أن كلّ كتابة تقدّمها المرأة تهتم بقضايا تخصّها دون مجمل المجتمع، وبالتالي ترى غواردي أن هذه النظرة تجعل النقد يهمل جوانب عديدة في الأدب الذي تكتبه النساء.

لا يزال النقد يُهمل جوانب من الأدب الذي تكتبه المرأة

تؤكّد غواردي: "يمكن القول إن الأدب النسوي أدب ملتزم، وأعني بالملتزم أن تكون نظرة المؤلف غير شخصية، أو ذاتية باطنية، بل نظرة عامة، عن العلاقات بين الأفراد وشرائح المجتمع".

أمّا على مستوى التقسيمات الأجناسية، فترى غواردي أن القصة القصيرة جنس أدبي كان دائماً قريباً من المرأة، خصوصاً في فترات التحوُّلات، وتضرب مثلاً بأعمال الكاتبة اللبنانية إيميلي نصر الله خلال الحرب الأهلية؛ حيث اتّجهت صوب القصّة ثم عادت للرواية بنهاية الحرب. وقد لاحظت غواردي الأمر ذاته في مصر خلال فترة الخمسينيات، والجزائر خلال "العشرية السوداء"، وهي فترات تحوُّّلات عميقة تحتاج فيها المرأة إلى أداوات تعبير مرنة لرسم التغيير ومساراته، حيث إن القصة - بتعبيرها - شكل آنيّ وفعّال، ناهيك عن إمكانية كتابته وقراءته في وقت قصير.

في دراستها الأدب القطري، تعود غواردي إلى عمل جماعي صدر في 2016 بعنوان "القصة القصيرة في قطر"، وتحديداً إلى فصل بعنوان "قصص نُشرت في دوريات وصحف"، كاشفة عن إحصائية لافتة تتمثّل في كون هذا المسح احتوى 95 قصّة من تأليف كاتبات، مقابل 56 قصة ألّفها رجال خلال الفترة بين 1973 و2013. تلاحظ غواردي هنا أنّ تفوُّق عدد الكتابات النسائية على الكتابات الرجالية مرّ دون مساءلة من النقّاد الذين تناولوا الأدب القطري بالدراسة، وهو ما تستغربه.

وفي سياق تفسيرها لهذه الحقيقة، تعتبر غواردي أن ذلك يعود إلى تنشّط عام للكتابة القصصية في العالم العربي، فالقصّة هي، بحسبها، المجال الأدبي الأنشط عربياً نظراً لسهولة إصدارها في المجلات والصحف، إضافة إلى كون تأليفها لا يأخذ الكثير من الوقت والجهد اللذين تحتاجهما أجناس أخرى مثل الرواية، وهي أسباب تلائم النساء للقيام ببقية واجباتهنّ الاجتماعية والأُسرية. كما تلاحظ الباحثة الإيطالية أن الكاتبات القطريات اللواتي اتجهن للرواية مررن من القصة قبل ذلك.

من خلال قراءات في بعض النصوص، تستخرج غواردي بعض الثيمات التي اعتنت بها الكاتبة القطرية، فتذكر كلثوم جابر حين تناولت الزواج القسري بالإدانة، وقرأت من نص لـ مريم محمد عبد الله يطرح إشكالية موقع المرأة في المجتمع بعد دراستها في الخارج. هذه الإشكاليات هي موضوعات اجتماعية عامّة حتى ولو بدت نسوية في قراءة أولى، إذ ترى غواردي أنّ القول بأن الكاتبات يهتممن أساساً بمواضيع نسوية هي فكرة عفا عليها الزمن.

في ختام كلمتها، أكّدت غواردي أنه من الضروري التعريف بالأدب الذي تكتبه المرأة القطرية من خلال ترجمة عدد من النصوص إلى لغات أجنبية، منها الإيطالية، "لأن القصة القطرية تستحقّ ذلك"، بحسب عبارتها.

المساهمون