يوسف عبّو.. فنّان نُسي مرّتين

20 نوفمبر 2019
الصورة
(من المعرض)
+ الخط -

لم يكن يوسف عبّو (1890 – 1953)، المولود في مدينة صفد الفلسطينية، يعلم أنه سيُنسى مرتين؛ الأولى كفنّان على قيد الحياة حين لم يستطع بعد اندلاع الحرب العالمية تأمين سبل الحياة لعائلته إلا بالعمل في حفر شبكات الصرف الصحي وورشات البناء حتى اعتلّت صحته لأعوام سبقت رحيله، دون أن يجد مقتنين لأعماله التي لاقت تقديراً عالياً في مرحلة سابقة من حياته.

ثم أقام في برلين لأكثر من عقدين بوصفه مواطناً عثمانياً، كما تشير أوراقه الثبوتية حين غادر القدس عام 1911 متوّجهاً إلى ألمانيا، وأُجبر على مغادرتها نهاية الثلاثينيات بعد قرابة ربع قرن من الإقامة فيها، ولأنه لم يؤمن كيهودي بالمشروع الصهيوني، قرّر أن يستعيد أصوله البعيدة فحصل على وثيقة سفر مصرية، لكن جذوره المتعدّدة لم تمنح له انتماء محدداً، ليُنسى ثانية.

حتى العشرين من كانون الثاني/ يناير المقبل، يتواصل في فضاء "بيت الفن" في برلين معرض استعادي للفنان افتتح في الثامن من الشهر الجاري، بمناسبة صدور أول دراسة "مونوغراف" حول حياته وعمله فناناً قرابة أربعة عقود، ويضمّ أربعين لوحة ومنحوتة.

كان عبّو المولود الثامن لعائلة مزارعة بعد سبع شقيقات، وبعدما أنهى تعليمه المدرسي اشتغل كعامل بناء مع مهندس ألماني، ثم مع رسام إنكليزي وعالم آثار في طبرية، ليجمع بعض النقود التي كانت كافية لمغادرة فلسطين والالتحاق بـ"الأكاديمية البروسية للفنون الجميلة" في العاصمة الألمانية.

بحلول عام 1919، سيقيم محترفه الخاص في خيمة سينصبها في برلين باعتباره أحد روّاد المدرسة التعبيرية، وتحتضن أفضل صالات العرض في ألمانيا منحوتاته وأعماله الطباعية التي حظيت بشهرة بفعل أسلوبه الذي ينزع نحو التجريد بشكل جزئي مع التركيز على الحالة النفسية والعاطفية لشخصياته التي تناولها.

في أعماله، كثير من الوجوه التي رسمها كانت مغمضة العينين أو لا تملك بصرها، كأنها تعيش حالة من السلام والرضا، أو تحلم بمكان ليس هنا أو زمان آخر، أو تهيم في برزخها الصوفي بين الوجود والفناء، أو تنظر إلى أفقها الخاص فتبدو في عالم غير هذا العالم.

كما عُرف بأسلوبه البوهيمي ونمطه غريب الأطوار، وكان قريباً من الفنانين الطليعيين الذين تصدّروا ألمانيا في عشرينيات القرن الماضي، ضمن رؤية استندت إلى التجديد في الشكل والتقنيات وعدم قبول الرؤى والأيديولوجيات الماضوية التي اعتبروها سبباً في هزيمة بلادهم في الحرب العالمية الأولى.

ليس هناك من وثائق تحدّد توجّهات عبّو السياسية، باستثناء بعض شهادات متفرّقة لأصدقائه ومجايليه ونص لزوجته كُتب عام 1960، وروت فيه كيف تعرّفت إليه عام 1933 والضغوط التي تعرّض لها نظراً إلى عدم امتلاكه أوراقاً ثبوتية وضرورة أن يبحث عن منفى جديد، كما حُرما من زواجهما بشكل رسمي، وأصيب بانهيار عصبي أكثر من مرة نتيجة الظروف القاسية التي كان يمرّ بها، وحظرت أعماله التي اعتبرتها الحكومة الألمانية حينئذ جزءاً من "الفن المنحل" الذي يجب مكافحته.

بناء على تلك المعطيات، لجأ الفنان الفلسطيني إلى السفير المصري في برلين كمال باشا، وحصل على "جواز سفر" صادر باسم المملكة المصرية عام 1935، ليحاول أن يجد انطلاقة فنية جديدة بين لندن وباريس وبدأ تنفيذ عدّة منحوتات من الحجر، ولم تذكر زوجته مطلقاً أي صلة له بدوائر صهيونية استطاع كثير من اليهود في ألمانيا استغلالها للانتقال إلى "أرض الميعاد" أو استثمار اضطهادهم للهجرة إلى الولايات المتحدة.

كان عبّو منتمياً إلى فنّه فقط، ويتطلع إلى مساحة آمنة يكمل خلالها مشروعه النحتي على وجه التحديد، لكنه اضطر للتخلي عن كثير من أعماله لعدم وجود متسع لها في بيته، ثم أجبر على ترك الاستديو الذي اتخذه مشغلاً له في لندن، وباع أدواته لطلاب الفنون، وبدأ يعمل في حفر شبكات الصرف الصحي وورشات البناء.

منذ عام 1947، أُدخل إلى المستشفى عدّة مرات لإجراء عمليات جراحية في يده قادت إلى بتر أحد أصابعه، لكن ذراعه ظلت تضعف باستمرار حيث لم يعد قادراً على استخدامها في النحت بعد سنة 1949، لكنه اشتغل في تجارة التحف القديمة حتى خضع لعملية جراحية مات على أثرها في عام 1953.