يان بي- مينغ.. الصمت في خلفية اللوحة

01 أكتوبر 2019
الصورة
(من المعرض)

لم يتوقّف الجدل حول الثورة الثقافية التي أطلقها الزعيم ماو تسي تونغ في الصين عام 1966 لأسباب داخلية أساسها الصراع في كواليس السلطة وخارجية تتعلّق بالدعاية الغربية المضادة للأنظمة الشيوعية، ويبدو أن العقود الخمسة الماضية لم تمح أثرها إلى اليوم لدى معظم الفنانين الصينيين.

في حالة الفنان يان بي-مينغ (1960)، فإنه يعتبر أن اللوحة الدعائية التي تعلّم رسمها في بلاده بفعل التقاليد الكلاسيكية المستنسخة عن الاتحاد السوفييتي، بقيت جزءاً أساسياً من تكوينه الفني حتى بعد هجرته إلى فرنسا وتخرّجه من "المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة" في ديجون، بحسب مقابلة صحافية سابقة.

"دَفن في شنغهاي" عنوان معرضه الجديد الذي يفتتح اليوم في "متحف أورسيه" الباريسي، ويتواصل حتى الثاني عشر من كانون الثاني/يناير المقبل، ويضمّ أعمالاً تحاكي قصته الشخصية كمهاجر يعيش في فرنسا منذ أربعين عاماً، ومن خلالها نكتشف علاقته مع الأيديولوجيا والإيمان رؤيته تجاه الطبيعة والإنسان.

تستند فكرة المعرض إلى لوحة شهيرة للفنان الفرنسي غوستاف كوربيه (1819 - 1877) تحمل عنوان "دفن في أورنان"، واعتبرت نقطة تحوّل كبرى في المدرسة الواقعية، لأنه رسم البسطاء والأحداث العادية في طابع أيقوني كأنهم أبطال يواجهون مواقف تاريخية.

لا يستعير مينغ عنوان اللوحة فحسب، إنما يتمثّل جوهر فكرتها وهو الذي ظلّ يحلم بأن يكون فناناً لكي يعبّر عن نفسه من دون كلام، ما انعكس في بورتريهاته الشخصية العديدة أو في رسوماته لوالده في حالات مختلفة ومراحل عمرية متعدّدة، أي أنه سحب طفولته وحياته البسيطة إلى دائرة الضوء، لا سيما أنه وُلد في شنغهاي التي اندلعت منها الثورة الثقافية وقتل فيها الآلاف.

كثيراً ما علّق الفنان على مساره، فمثلاً أشار في أحد تصريحاته إلى أن "أول درس تلقّاه في المدرسة كان يحتوي على تمجيد لشخصية الرئيس الأسطورية، وأن صورته كانت الأكثر انتشاراً ما يكفي أن تترك أثرها لدي إلى اليوم"، وهو وصف لا يفترق عن الموت الذي يشكّل ثيمة رئيسة في معظم لوحاته، ومن ذلك عمله الضخم الذي نفّذه عام 2010 بطول عشرة أمتار ويتضمّن اثنتين وعشرين جمجمة كدسها فوق بعضها.

وفي عام 2009، أقام مينغ معرضاً بعنوان "جنازات الموناليزا" واشتمل على أعمال يعيد خلالها تصوير لوحة دا فينشي، جاعلاً الجوكاندا تبكي أمام المتفرّجين. لكن الموت بالنسبة إليه يتماهى مع نظرة بوذية تحيل التفكير فيه إلى العمل بجد أكثر لملء الحياة، ما يعبّر عنه بالقول "أنا لا أخاف من الموت. أخشى من عدم القدرة على العيش".

لا يبتعد الفنان عن الواقع السياسي والاجتماعي الذي يرى من خلاله كلّ هذه الشخصيات أو المشاهد التي رسمها، في محاولة لنقْل سياقها الزمني أو إحساسها بزمنها بلغة أدق، وإعادة تفسير لحظة مرّت في التاريخ والتي لا يمكن تصوّرها بمعزل عن شكوكه وقلقه وخوفه من العالم، فالحرب والصراعات والقتل هي أكثر ما يميّز الإنسان.

دلالات