وقائع مغيبة في "نكبة الموصل"

15 يوليو 2020
الصورة

لنسمّها نكبة، بمرادفاتها الأربعين التي تذكرها مراجع اللغة، والتي ألقت بظلالها المصبوغة بالدم على مدينة الموصل، منذ قدر لها أن تسقط تحت وطأة سنابك جند "داعش"، في لفتة قدر شريرة، لتشكل الحدث الأشد هولا على العراق وأهله، بعد حدث الغزو والاحتلال. ومناسبة هذه الاستعادة مرور ثلاث سنوات على تحرير المدينة، وبقاء عديد من ملفاتها الشائكة معلقة، وغير معرّضة للحسم القريب كما يبدو. ولكنّ ثمة وقائع وأرقاما موثّقة مبثوثة هنا وهناك، تحكي بعضا مما تضمّه تلك الملفات: أكثر من مليون نازح لا يزالون ممنوعين من العودة إلى مساكنهم، بسبب سيطرة المليشيات عليها، وبعضهم يتخوّف من العودة لعدم توفر الحماية له. شبكات فسادٍ يديرها نافذون في أحزابٍ ومليشياتٍ تتحكّم في أوضاع مخيمات النزوح، وتمارس ألوانا من النهب والسرقة والابتزاز. آلاف من الشباب والنساء قتلوا، أو غيّبوا، ولم يتم العثور على آثارهم. خراب ودمار طاولا آلاف المباني السكنية والتجارية والمدارس والمستشفيات ودور العبادة، وما لم تصل إليه أصابع "داعش" تكفّلت بخرابه حملات القصف العشوائي في معارك "تحرير المدينة". ومن لم يمت بسيوف "داعش" هلك ببنادق "الإخوة الأعداء" بعد التحرير. وحالما تنفست الموصل الصعداء، أصبحت الدعوة إلى إعادة بنائها وإعمارها كرة يتقاذفها السياسيون ورجال الأحزاب وقادة المليشيات الذين وجدوا فيها منجم ذهب، فيما كانت الحصيلة بالنسبة لأهلها صفرا على الشمال. وقد أضافت جائحة كورونا لهم هما آخر، إذ بعدما كانوا يمنّون أنفسهم بالعودة إلى حياتهم الطبيعية، لاحقت الآلاف منهم غوائل التشرّد والجوع والوقوع تحت خط الفقر. ولم تلتفت الحكومات المتعاقبة لمعاناتهم تلك، غير آبهة بما نالهم من حيف وظلم وضع حياتهم بين حدّي السيف، وعلى نحوٍ لم تعرفه المدينة في كل تاريخها.

من لم يمت بسيوف "داعش" هلك ببنادق "الإخوة الأعداء" بعد التحرير

وثمّة وقائع مغيبةٌ أخرى ترجع إلى بدايات واقعة سقوط المدينة بيد "داعش" قبل سبع سنوات، ولا يزال يدور حولها كثير من اللغط والنقاش، والصراخ أيضا، إذ على الرغم من أن لجانا عدة شكلت للتحقيق فيها، وتقصّي ملابساتها، ومع صدور تقارير تكشف بعض جوانبها، وتتهم أو تدين شخصيات وأطرافا في التمهيد، إن لم نقل في التخطيط لها من خارج منظومة "داعش"، إلا أن ثمّة أكواما من الوقائع ظلت غائبة أو ملتبسة على نحوٍ قد لا يتيح لأحدٍ أن يصل إلى حقيقتها قبل مضي عقود. وضمن هذا الإطار، برزت أسئلة كثيرة وكبيرة من دون جواب: كيف استطاع "داعشيون" التسلل إلى الموصل قبل شهور، والكمون عن الأنظار إلى أن ظهروا فجأة مع دخول "جنود الخلافة" الذين لم يتجاوز عددهم بضع مئات، ليقيموا دولتهم، وكيف هرب أمامهم خمسون ألفا من الجنود والضباط ورجال الأمن، وقبلهم هربت القيادات المتقدّمة التي يفترض أنها تمثل "رأس النفيضة" في الدفاع عن المدينة وحماية أبنائها، وقيل إنها انسحبت تنفيذا لأوامر صدرت لها من مراجعها العليا. وهنا يكمن سر عدم استجواب القائد العام للقوات المسلحة في حينه، نوري المالكي، أمام اللجان التي حققت في الواقعة، واكتفت بوضع مسؤولية التخاذل أو إهمال الواجب على عاتق قيادات عسكرية ثانوية، ولكن حتى هذه القيادات تسللت إلى الواجهة من جديد، وتقلدت مناصب أخرى.

حالما تنفست الموصل الصعداء، أصبحت الدعوة إلى إعادة بنائها وإعمارها كرة يتقاذفها السياسيون ورجال الأحزاب وقادة المليشيات الذين وجدوا فيها منجم ذهب.

 

وأيضا، ثمّة وقائع أخرى مسكوت عنها، ولم يجرؤ أحدٌ على تداول مضامينها، لكن بعض خيوطها تسللت من جهات عدة، إذ قيل إن إيران كانت على علم بتحرّكات "داعش"، ونسقت مع بعض وكلائها في العراق، بهدف استثمارها فيما بعد، وهذا ما حصل فعلا، إذ استغلت فتوى مرجعية النجف للجهاد الكفائي، لتروّج قيام تنظيم مليشياوي، أطلقت عليه صفة "الحشد الشعبي"، فيما كانت الفتوى تشير إلى "التطوّع للانخراط في القوات الأمنية" و"الالتحاق بالقوات المسلحة". والمقصود الانضمام إلى القوات النظامية، وليس إنشاء تنظيم مليشياوي خارج سلطة الدولة، وعرف في حينها أن رجل إيران في العراق، قاسم سليماني، هو الذي اخترع فكرة "الحشد"، وأوصى بتطبيقها.

وفي صفحة مغيبة أخرى، نقرأ أن "سي آي إيه"، ودولة عربية، وزعامات كردية، وقيادات بعثية، كانت متواطئةً أو عارفة بما يجري، وكل طرفٍ منها كان يأمل أن تسير الأمور لصالحه، وقد أفرز كل هذا الخليط العجيب تداعياتٍ شتى، لم تؤثر سلبا على الموصل فحسب، إنما خلفت انتكاسات مريعة ومكلفة في الحالة العراقية، سوف تمتد آثارها إلى عقود مقبلة.