وطن الغربة

17 فبراير 2017
الصورة
غادرتها لأسباب متعددة (كريس ماكغراث/ Getty)
يوماً بعد يوم يزيد يقيني بضرورة البقاء خارج مصر، وطرد كل أفكار العودة، أياً كانت المشكلات التي تعترضني في غربتي المتواصلة.

قبل ثلاثة أعوام، كنت حريصاً على البقاء في مصر، لكني غادرتها لأسباب متعددة بينها الانقلاب والقمع وغياب الحريات، وبعد الغياب الطويل المتواصل، أصبحت أكره فكرة العودة لأسباب بينها طريقة تفكير الناس.

ليست مشكلة مصر في نظامها الحاكم فقط، رغم يقيني بخطره على البلاد والعباد. المشكلة الحقيقية تتمثل في أهل مصر. هم طيبون، ودودون، مبتهجون. أو كان هذا الشائع عنهم. لا أشكك أن بينهم ملايين الطيبين الودودين.

لكن الأزمة أنه بات بينهم عشرات آلاف المحرضين، ومئات آلاف المُضَلَلين، وملايين المنفصلين عن حقائق الواقع بإرادتهم والذين يتجاهلون رفضه أو حتى انتقاده.

لا أريد العيش بين هؤلاء، بالأساس لا أقبل العيش في بلد يحكمه العساكر، ويتولى أموره الكهول، وأكره العيش في بلد ينجح فيه الفاشلون لأنهم منافقون أو وصوليون، رغم أن هؤلاء موجودون في كل مكان.

يطاردني دوماً شعور رفض التخلي عن حلم الثورة الذي يعني ترك بلادي نهباً للفاسدين والجهلة والفاشلين، لكني أحاول مقاومته بعقلانية أحياناً وبقسوة في الأغلب. في رأيي لم يعد البعد عن مصر هروباً، وإنما نجاة من مستنقع لم يعد صالحاً للبقاء، ومن مجتمع لم يعد مناسباً للحياة.

يطاردني الحنين إلى العائلة والمنزل والأصدقاء والذكريات، وأقاومه عادة بمشاهد التدهور القائم في كل المجالات، وبأحاديث مع أصدقاء وأقارب، كلهم يرغب في فرصة للخروج من مصر هرباً من الجحيم الذي يقبعون فيه.

يقول صديقي إنني هارب ينتظر أن تشفى البلاد من علّتها. لا أجادله، فربما كان محقاً، لكني أشعر في قرارة نفسي أن هروبي، إذا كان هروباً، غرضه منح نفسي الوقت للشفاء من علل أصيبت بها في الأعوام الستة الأخيرة.

بعد ثلاث سنوات خارج مصر، بات من الممكن التعامل مع بلد الغربة باعتباره وطناً بديلاً، ولو إلى حين. بات لي فيه أصدقاء وذكريات، ربما لا يمكن مقارنتها بصداقات وذكريات حياة امتدت نحو 35 سنة.

بالأساس لا يمكن مقارنة الحياة في بلد خليجي، أياً كان اسمه، بالحياة في مصر، حتى أهل الخليج أنفسهم لا ينكرون أن أياماً أو شهوراً قضوها في مصر لا تغيب عن بالهم مقارنة بسنوات طوال عاشوها في بلادهم.

لا يخفى على أحد قسوة الغربة، وأن الكثير من المنغصات في الغربة يمكن تجاهلها أو التجاوز عنها عادة في الوطن، لكن هل العيش في مصر حالياً قرار حكيم؟

يكرر الأصدقاء في مصر على مسامعي أن الغربة خارج الوطن أرحم من الغربة داخله.


دلالات

تعليق: