وضع الأقليات والمُسنّين: نكوص غربي

الصورة

مسن وزوجته في شاطئ مدينة تراغونا الإسبانية (5/5/2020/Getty)

عُرفت الديمقراطيات الغربية بالتركيز على ضمان جودة الحياة البشرية التي تشمل الأفراد من سائر الأعمار، بما يضمنه نظام طبي متطوّر وخدمات صحية نوعية، مع ما يصاحب ذلك من اهتمام بالبيئة، لما لها من انعكاسٍ على حياة البشر، ومراقبة سلامة الدواء، وجودة الطعام والمياه والشراب، ومستويات البرودة والحرارة على مدار السنة، وليس انتهاء بالملبوسات (وكل ما تتعرّض له الحواسّ البشرية) وتأثيرهاعلى صحة الإنسان. وقد فاخرت هذه الديمقراطيات بارتفاع معدلات الحياة (سنوات العمر لدى الأفراد من الجنسين)، حيث تبلغ نسبة المسنين ممن تزيد أعمارهم عن 65 سنة نحو 20% من سكان غرب أوروبا وشمالها، وتلامس كندا هذه النسبة. وتتخطى النسبة الـ20% في بلدانٍ، مثل إيطاليا والبرتغال، فيما تضم أميركا نحو خمسين مليون مُسن من جملة عدد السكان 331 مليون نسمة.
وعلى الرغم من أن اليابان، البلد الآسيوي، يُعد الأكثر اشتمالا على كبار السن بنسبة تزيد عن ربع السكان (28%)، إلا أنه يعتبر ارتفاع معدلات الحياة والاحتفاء بكبار السن جزءاً من الثقافة اليابانية المتجدّدة، لا يستحق المفاخرة به، كونه أمراً بديهياً ومن طبيعة الأشياء. خلافاً للدول الغربية، وحتى لمفهوم الحداثة الذي يولي اهتماما كبيرا بالمسنين، جنباً إلى جنب مع رعاية الأطفال والأقليات وذوي الإعاقة، وعلى قاعدة المساواة بين الجنسين.
وقد شكلت جائحة كورونا امتحانا عسيرا ومُحبطا، في بعض نتائجه، للنظرة الغربية لكبار السن، 
ففي غالبية الدول الأوروبية، ولكن بدرجة أقل في شرقها، جاءت الإصابات كبيرةً في دور رعاية المسنين. ليس فقط لأن المسنين ذوو مناعة ذاتية أضعف من غيرهم، بل لأن هؤلاء تمتعوا برعاية أقل وسط اشتداد الجائحة. ولم تنجُ من ذلك دولٌ عريقةٌ في مجال الرعاية الطبية وإيلاء الاحترام للمسنين، مثل السويد والدنمارك وكندا، ففي الأخيرة تفشّى المرض في بعض دور الرعاية، ولم يجد العاملون هناك من إجراء ناجع أفضل من مغادرة هذه المراكز، خشية انتقال العدوى إليهم، مع ترك المصابين لمصيرهم. وهو ما حمل المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم، على القول إنه "إذا كان أي شيء سيؤذي العالم، فهو الانحطاط الأخلاقي. إن عدم اعتبار وفاة المسنين أو كبار السن مسألة خطيرة انحطاط أخلاقي".
وليس بعيدا عن ذلك ما خرج به رئيس وزراء بريطانيا، بوريس جونسون، أواسط مارس/ آذار الماضي، عن "مناعة القطيع"، فقد أظهر نظريته هذه التي تتحدث عن اختفاء الوباء تلقائيا بعد إصابة نحو 60% من السكان، ما يولّد مناعة اجتماعية له، في وقتٍ كانت منظمة الصحة العالمية تحذّر فيه من أن كبار السن هم الأكثر عرضةً للإصابة بالمرض والأقل مقاومة له، وبينما كان هؤلاء يقضون تباعا. وقد تخلى جونسون عن نظريته، عقب إصابته بالوباء، من دون أن يعتذر عما قاله، علماً أن المقولة ذاتها مُشينة، سواء كانت ترمي إلى التضحية بكبار السن أم لا. وقد تأخرت منظمة الصحة العالمية في الرد على هذه النظرية، لكنها فعلت أخيرا (11 مايو/ أيار الجاري)، على لسان المدير التنفيذي لبرنامج الطوارئ الصحية لمنظمة الصحة العالمية، مايك رايان، الذي أوضح في مؤتمر صحافي: "الفكرة القائلة إن البلدان التي كانت لديها إجراءات متساهلة ولم تفعل أي شيء ستصل فجأة بشكل سحري إلى بعض مناعة القطيع، وماذا إذا فقدنا بعض كبار السن على طول الطريق؟ هذا تصوّر خطير وخطير حقًا". والأكثر أهمية في ما قاله رايان، وهو طبيب، أن مصطلح مناعة القطيع مأخوذٌ من علم الأوبئة البيطرية، حيث يتم النظر إلى الحيوانات قطيعا، وأشار الرجل إلى أن "البشر ليسوا قطعانا". وباستخدام هذا المصطلح والعمل بمقتضاه، يمكن أن يؤدّي ذلك، حسب المسؤول الأممي الرفيع، "إلى عملية حسابية وحشية للغاية، لا تضع الناس والحياة والمعاناة في مركز تلك المعادلة".
لم تؤيد دول الغرب هذا المفهوم الوحشي، لكنها أبدت قدرا من القبول الضمني والواقعي (البراغماتي) به، وذلك في ضوء تعاملها مع المسنين، ضمن إجراءات الوقاية من الوباء، وذلك خلافا للثقافة الغربية الحديثة الشائعة والمكرسة عبر نصف قرن على الأقل، والتي لا تُقصي هؤلاء إلى الهامش الاجتماعي، ولا تحرم المتميزين منهم في سائر المواقع من الأضواء، وحتى من تسنّم المواقع القيادية المهمة، ما يشكل نكوصاً ثقافياً لا سابق له تجاه هذه الفئة السكانية.
ليس المسنّون (وهم من صُلب التركيبة السكانية في الغرب) الفئة الوحيدة التي وقعت ضحية
اختلال معايير العدالة في الرعاية الطبية، فإلى جانب هؤلاء، يقف من ينحدرون من أقليات عرقية وإثنية. وعلى الرغم من أن عدد الضحايا لم يتوقف بعد في ظروف توالي انتشار الوباء، إلا أن أرقاماً ونِسباً مؤقتة ظهرت أخيرا تكشف عن جانبٍ مفزع، إذ أفادت إحصاءات في شيكاغو في الولايات المتحدة بأن 72% من ضحايا فيروس كورونا حتى مطلع أبريل/ نيسان كانوا من ذوي البشرة السمراء، على الرغم من أنهم لا يمثلون إلا ثلث سكان المدينة. وهناك نسب أقل في مدن أخرى، ليس بينها نيويورك وولايتها التي تشكل مركز الوباء في أميركا، وحيث تضم المدينة والولاية نسبة كبيرة من المواطنين ذوي البشرة السمراء (أكثر من مليونين من جملة التعداد الذي يقل عن 20 مليون نسمة). وفي المملكة المتحدة، تبلغ نسبة الإصابات والوفيات بين الأقليات العرقية، حتى تاريخه، 35%، من جملة هؤلاء الذين تبلغ نسبة تعدادهم 14% فقط. والراجح أن النتائج لن تكون بعيدة عن هذا المستوى في دول أوروبية، مثل فرنسا وبلجيكا وغيرهما، ممن تضم مواطنين ينتمون إلى أقلياتٍ عرقيةٍ، والتي لم تكشف بعد تفاصيل حجم الإصابات والوفيات بين فئات السكان وشرائحهم ومناطق إقاماتهم.
ولا يتعلق الأمر هنا بالجينات التي تتوفر عليها هذه الأقليات، بل بمستوى الرعاية الطبية والخدمة الصحية المتاحة لهؤلاء، في بُلدانٍ ترفع دساتيرها وقوانينها مبادئ المساواة واحترام حرمة الحياة البشرية. وقد جاءت جائحة كورونا لتكشف عن أعطابٍ بنيويةٍ في مجال رعاية الحق بالحياة، وحتى عن "أوبئة" فكرية مقيتة ومستترة تقوم على التمييز الفعلي، بوعي أو بدونه، بين الناس. وهو ما قد تدفع تلك المجتمعات ثمنا فادحا له، إذ إن انتقال العدوى وتفشي الوباء عابر للأعراق والطبقات.
تعليق: