وجوه الفيوم: من عصر المومياوات إلى كأس العالم

23 يونيو 2018
الصورة
من وجوه الفيوم (لوحة عثر عليها في 1911)
+ الخط -

لا تزال لوحات رُسمت بين نهاية القرن الأول الميلادي ومنتصف القرن الثالث الميلادي تثير تساؤلات حول فكرة الصمود الزمني والتأثير الفني، وكذلك لا تزال تختبر هذه اللوحات عدة مفاهيم مجتمعية تتعلق بتقدير الفن وفهمه، وصولاً إلى استخدامها في الدعاية الكروية مؤخراً عند مشاركة المنتخب المصري في كأس العالم، وهو ما أثار بعض الجدل حولها.

مؤخراً، استخدم التشكيلي المصري أحمد الصبروني طريقة الأيقونات التي رُسمت بها بورتريهات الفيوم في رسم اللاعب المصري محمد صلاح الذي بدا قبطياً يرتدي السعفة الذهبية (إكليل الغار) على رأسه، مثلما كان شائعاً في القرن الأول الميلادي، كما رسم الصبروني مدرّب المنتخب المصري هيكتور كوبر تحيطه هالة تشبه التي اعتاد الفنانون القدماء وضعها في الأيقونات القبطية حول رؤوس القديسين والمخلّصين.

أكثر ما يجذب في بورتريهات "وجوه الفيوم" هي تلك النظرات التي تبسطها في عيون النساء والرجال والأطفال، فكل وجه هو موضوع الصورة بشكل مستقل. وفي حين تبدو الوجوه متشابهة للوهلة الأولى أو خالية من التعبيرات، إلا أنه وبعد تأمل نكتشف تعبيرات دقيقة، لا تصل إلى درجة التبسّم ولا إلى التجهّم، إنها مئات التعبيرات الواقعة بينهما.

لكن رغم تعبيرات الوجه القريبة من تعبيرات وجوه الفيوم الشائعة إلا أن الصور الجديدة حملت معطيات عصرية، فصاحب مثلاً صورة صلاح حامل الكتف الحمراء للدلالة على إصابة اللاعب في كتفه، فيما ظهرت الهالة حول كوبر على شكل كرة قدم، وكان الكتاب الذي في يده (وهو الإنجيل عادة) خطة المدرّب لكسب المباريات.

وجها صلاح وكوبر على طريقة أيقونات وبورتريهات الفيوم أثارا حالة من الجدل بين مؤيد ومعارض، أغلب الآراء المعارضة كانت ذات مرجعية دينية، ومنها رأي القس لوقا راضي، راعي كنيسة ماريوحنا المعمدان بالقوصية، حيث اعتبر رسم صورة كوبر بهذه الصورة "غير لائق".

لكن حالة الجدل هذه حول رسم صلاح وكوبر بطريقة الأيقونات ووجوه الفيوم تشير إلى أخذ الفن مرة أخرى إلى استعمالات الفن وإنزال مقولاته في الشارع ومنصّات التواصل الاجتماعي، إذ أتاح هذا الاستخدام لشريحة أن تتعرف على وجوه الفيوم فيندمج هذا العنصر التراثي في الثقافة الشعبية.

تأتي بورتريهات الفيوم من زمن لم يتعلّم فيه الفنان وقتها أن يُذيّل لوحته أو منحوتته بتوقيعه، رغم تداول فكرة الخلود بقوة في ذلك العصر، غير أن الخلود حينها ربما لم يكن مرتبطاً بالأسماء بقدر ارتباطه ببقاء العمل نفسه وامتداده لعوالم أخرى تتجاوز حتى العالم الدنيوي.

تقول بعض الروايات أن الرسامين الذين عملوا على بورتريهات الفيوم كانوا رسّامين متجوّلين يتنقلون بين المناطق المصرية ليرسموا وجه من يرغب في أن تبقى صورته على تابوته حتى تتعرف عليها الروح عند عودتها مرة أخرى في الحياة الثانية، وعندما تتم عملية الرسم يقوم صاحب البورتريه بتعليق صورته على حائط منزله حتى وفاته، وبعدها يقوم أهله بلصقها على تابوته الخشبي قبل توديعه.

يذكر أن بورتريهات الفيوم أضاءت معطيات تاريخية مهمة، فمثلاً في 2001 نشر باحث يدعى ج. م ستيفينز دراسة في مجلة متخصصة يتناول فيها الأمراض لدى المصريين القدماء، ووجد في "وجوه الفيوم" مادة لعمله نظراً للاهتمام الكبير الذي خصّصه الفنانون لتفاصيل الوجوه، وخلصت الدراسة أن بعض الأشخاص من خلال تفاصيل وتعبيرات وجوههم كانوا يعانون من صَرَع وصداع نصفي واختلال في الجهاز العصبي اللاإرادي وانحرافات بصرية.

حتى اليوم يمكن حصر عدد لوحات وجوه الفيوم التي بقيت بحالة جيدة في حوالي 900 لوحة موزّعة في متاحف العالم. أول لوحة لوجوه الفيوم، تم اكتشافها ودراستها بشكل علمي، كانت لوحة لفتاة تبلغ من العمر نحو 25 عاماً ترتدي في اللوحة قرطاً من اللؤلؤ وعقداً من الذهب اكتشفها الباحث البريطاني ويليام فليندرز بتري بالقرب من هرم امنمحات في منطقة هوارة بالفيوم عام 1887 وقد لعبت رمال الصحراء دوراً كبيراً في المحافظة على جودتها.

من خصائص هذه الرسومات اختفاء الجسد مقابل خصائص بصرية فرعونية كان فيها رسم الأجساد العارية واضحاً على جدران المعابد. هكذا اختفت الأجساد فجأة من الفنون في مصر، مع انتشار المسيحية فيها، وهو ما يفسّر العناية الخاصة بالوجه ونشوء فن البورتريهات ومن ثم انتشار أيقونات رجال الدين والقديسين.

من جهة أخرى، يمكن القول أن بورتريهات الفيوم تمثّل أول خروج للفن من القصور والمعابد إلى بيوت عامة الشعب. وإن كان من الجدير الإشارة إلى أن أغلب من رُسموا في تلك اللوحات يبدو أنهم من الطبقة العليا من المجتمع المصري، ويتضح ذلك خاصة في بورتريهات السيدات وهنّ يرتدين الأقراط والعقود الذهبية واللؤلؤ والرجال يرتدون التيجان الذهبية على شكل سعف. لكن يبقى ذلك الخروج من القصور تحوّلاً كبيراً في فكرة احتكار الفن من جانب الطبقة الحاكمة.

رسومات الصبروني لصلاح وكوبر -رغم تواضعها مقارنة بروائع القرن الأول ميلادي- خرجت أيضاً من الحدود المعروفة لتشجيع المنتخبات الكروية، بعيداً عن حيّز الآلة الإعلامية الرسمية وخياراتها السهلة لتشجيع المنتخب المصري في كأس العالم، بحيث يمكن على الأقل القول إنها خرجت من سطحية بقية الدعايات التي ظهرت وأشهرها إعلان التمساح الذي يظهر في فيديو دعائي يرتدي زياً خليطاً من العناصر الفرعونية والزي الكروي الأحمر للمنتخب، ثم يسدد الكرة وسط المعابد الفرعونية.. وقد أثارت هذه الدعاية كثيراً من السخرية.

تحمل بورتريهات الفيوم أكثر من رمزية، فمثلاً ورغم أنها تُرسم بالأساس لغرض وضعها مع التوابيت، إلا أننا نلاحظ أن أغلب الوجوه قد رُسمت في أوج شبابها، بل هناك بورتريهات لأطفال، إذ يبدو أن المصريين وقتها كانوا يريدون أن يظهروا في اللوحات في أوج جمالهم رغم الطابع الجنائزي.

ولعلّ إعادة رسم محمد صلاح وهيكتور كوبر بطريقة وجوه الفيوم محاولةٌ عفويةٌ لتجديد الرغبة في تخليد رمزين كرويين أجّجا حماس الجمهور المصري تجاه الساحرة المستديرة من جديد، لفترة على الأقل، حيث أن النتائج في كأس العالم لم تكن في صالح اللاعب ومدرّبه.

المساهمون