وثائقي إسرائيلي يرصد أخطاء الاحتلال في حرب لبنان الأولى

11 مايو 2020
الصورة
الانسحاب تم من جانب واحد (جوزيف باراك/ فرانس برس)
أكدت قيادات سياسية وعسكرية إسرائيلية في برنامج وثائقي بثته القناة 13 بمناسبة مرور 20 عاماً على انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من لبنان، أن هذه الحرب كان لها ثمن باهظ وأسهمت فقط في تهديد الأمن القومي الإسرائيلي وسمحت بصعود أعداء أكثر خطورة على الحدود الشمالية. 

وشدد ضيوف البرنامج، الذين شاركوا في الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، أن حالة من انعدام اليقين سيطرت على المستويات السياسية والعسكرية، وأن إسرائيل كانت تضطر للتراجع عن القرارات التي اتخذتها تحت تأثير الأحداث والتطورات التي لم تتوقعها.

ويأتي بث البرنامج بعد إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، إيهود باراك، في مقابلة مع "معاريف"، أن قرار الانسحاب من جنوب لبنان في عام 2000 يعد من أهم القرارات التي اتخذها في حياته، لافتا إلى أنه كلواء في الجيش أيّد الانسحاب من لبنان بعد مرور عام على بدء الغزو، وأنه اعتقد طيلة الوقت أن البقاء هناك سيمثل مصيدة لإسرائيل.


ويتضح من البرنامج أن قيادة الجيش كانت متحمسة للبقاء في جنوب لبنان. وقال رئيس الأركان السابق غادي أيزنكوت، إن قيادة الجيش كانت ترفض الانسحاب من هناك ورأت وجوب البقاء هناك. من جهته، لفت الجنرال موشيه كنبلنسكي، الذي كان قائداً لفرقة "الجليل" عند الانسحاب من الجنوب، الأنظار إلى مشكلة أخرى تمثلت في أن إسرائيل لم تتمكن من تحديد أعدائها داخل لبنان الذين يجب مواجهتهم إلا بعد مضي وقت طويل.


وحسب الوثائقي، فإن المفاجأة التي لم تتوقعها إسرائيل ودلت على حساباتها الخاطئة تمثلت في حقيقة أن نجاحها في طرد منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان أدى إلى صعود عدو أكثر خطورة يتمثل في "حزب الله"، علاوة على أن هذه الحرب منحت إيران مسوغا لزيادة نفوذها وتأثيرها في لبنان وعلى المواجهة مع إسرائيل.

وبحسب إيهود باراك، فإن "حرب العقول" التي اندلعت بين الطرفين، أثبتت أن لدى "حزب الله" قدرة فائقة على تطوير ذاته، منوها إلى أن جودة وفتك العبوات التي كان يزرعها الحزب ضاهت جودة تلك التي ينتجها جيش الاحتلال.

ولفت المعلّق العسكري لقناة 13 ومعد البرنامج، ألون بن دافيد، إلى أن العمليات التفجيرية التي استهدفت مقار جيش الاحتلال في مدينة صور جنوب لبنان، والتي أدت إلى مقتل 136 من الجنود والضباط، أسهمت في إحداث تحول بمواقف الجمهور والنخبة السياسية من الحرب والوجود في لبنان، فهذه العمليات دفعت بعد ثلاث سنوات على بدء الحرب الحكومة الإسرائيلية برئاسة شمعون بيريز إلى الانسحاب من كل المناطق التي تقع شمال الليطاني والانكفاء في حزام أمني.

ويتبيّن من الشهادات التي أدلى بها معظم القادة العسكريين أن تدشين الحزام الأمني كان بحد ذاته خطأ استراتيجيا كبيرا، على اعتبار أنه وسع دائرة الاحتكاك مع "حزب الله" من جهة، ولم يحل دون تأمين العمق الإسرائيلي من القصف، من جهة أخرى.

وقال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غابي اشكنازي، والذي كان قائداً للمنطقة الشمالية في الجيش عندما اتُخذ قرار الانسحاب، إنه كان من الصعوبة بمكان تأمين الحزام الأمني لأنه مفتوح من الناحية الشمالية ولأن جيش الاحتلال ليس بوسعه التأثير على حركة اللبنانيين في المناطق التي تقع إلى الشمال منه.


من جهته، لفت موشيه تامير، الذي كان يقود لواء "حيرم" عند الانسحاب، إلى أن الجيش قام بتصميم الحزام الأمني لكي يواجه الفدائيين الفلسطينيين وليس عناصر "حزب الله"، الذين كانوا يتصرفون وفق معايير مختلفة تماما، وهو ما جعل الحرب تنتقل إلى مرحلة جديدة، تحديداً بعد تدشين الحزام.

ويقر بعض القادة العسكريين بأن الاعتماد على "جيش لبنان الجنوبي" (قوات بقيادة أنطوان لحد كانت تتعامل مع الإسرائيليين) كان خطأ كبيرا ولم يسهم في تحسين الأوضاع الأمنية وتأمين جنود الاحتلال. وقال العقيد كوبي مروم، الذي قاد أحد ألوية الجيش حتى الانسحاب، إن الجيش الذي قاده أنطوان لحد لم يوفر المطلوب منه لأن عناصره كانوا فاقدين للدافعية ولم يكن يعنيهم إلا الحصول على المال في النهاية.

وحسب الوثائقي، فإن بعض القرارات التي اتخذتها إسرائيل أسهمت في تعميق ورطتها في لبنان، لا سيما قرار باراك كرئيس أركان اغتيال الأمين العام (الراحل) لـ "حزب الله"، عباس الموسوي عام 1992. وأشار الوثائقي إلى أن اغتيال الموسوي نسف الزعم بأن الحزام الأمني يسهم في تأمين العمق الإسرائيلي، إذ إن الحزب أمطر المستوطنات الشمالية بالصواريخ والقذائف، علاوة على أنه منحه المسوغ لمهاجمة "أهداف يهودية" في أرجاء العالم. ولفت إلى أن الحملتين العسكريتين اللتين نفذتهما إسرائيل أثناء وجودها في الحزام الأمني وهما: "تصفية الحساب" (عام 1993) و"عناقيد الغضب" (عام 1996) أدتا إلى تفاهمات منحت "حزب الله" الحق في الرد باستهداف العمق الإسرائيلي في حال تعرّض المواطنون اللبنانيون للقصف الإسرائيلي.


وحسب العميد غيورا عنبار، الذي كان قائد وحدة الاتصال في جنوب لبنان، فإن العمليات الأكثر نجاحاً التي نفذها الجيش الإسرائيلي ضد "حزب الله"، تبين أنها في النهاية فشل كبير، لأنها منحت الحزب الفرصة لاستهداف المستوطنات الشمالية والمس بشكل كبير بأنماط الحياة الاعتيادية هناك.