واشنطن وهجوم "أرامكو": بين المسؤولية الضائعة والتردد في الرد

17 سبتمبر 2019
الصورة
تطغى لغة الحذر في واشنطن على لغة الحرب (Getty)
لا تزال شظايا هجوم "أرامكو" تتطاير في واشنطن، لكن الحديث عمن وراءها وكيفية التعامل معها، يلفه الكثير من الغموض والتذبذب. في المداولات حولها، تطغى لغة الحذر على نغمة الحرب، ولو أن الرئيس دونالد ترامب لوّح بهذه الأخيرة. أصابع الاتهام تتجه كلها تقريباً صوب إيران أو أحد "وكلائها" في المنطقة، لكن من باب الظن وليس اليقين، بينما الحقيقة ضائعة، أو يجري تضييعها.

غياب الأدلة – أو عدم كشفها إذا كانت معروفة – ترك القضية في دائرة اللغز، بما يبرر إبقاء الرد عليها معلقاً. وربما يكون التعليق المخرج المرغوب، لأنه يعفي من الرد العسكري الذي لا يحبذه الرئيس ترامب، حسب ما تشير تصريحاته وإن بدت متضاربة. أمس، قال إن واشنطن "على أهبة الاستعداد" للرد، واستدرك ليقول إنه "لا يريد الحرب مع أحد". من ناحية يقول إن العملية "تبدو" إيرانية، ومن ناحية ثانية يدعو إلى "التريث لمعرفة الجهة الفاعلة". يهدد بأن الضربة "قد يجري الرد عليها بضربة أوسع"، لكنه سرعان ما يدعو إلى الترقب "بانتظار ما نسمعه من السعودية".
كلام ترامب هذا أثار اعتراضات واسعة بحسبانه نوعا من "الخضوع للسعودية التي لا ننتظرها لتقول لنا ما ينبغي علينا عمله"، على حد تعبير النائب الديمقراطي توم مالينواسكي. وكثيرون غيره رددوا مثل هذا الانتقاد وبكثير من النقمة على المملكة وحربها في اليمن، التي يرى المراقبون أن ضربة أرامكو تناسلت عنها. ولا تقل عنها النقمة على إدارة ترامب بسبب انسحابها من الاتفاق النووي مع إيران، "الذي لولاه – أي الانسحاب – لما كنا نواجه ما نحن فيه اليوم"، حسب واندي شيرمان، معاونة وزير الخارجية سابقاً، والتي شاركت في مفاوضات الاتفاقية.


لكن ذلك يبقى تاريخا تواجه الآن واشنطن عواقبه بقدر واضح من الارتباك. ثمة من يحذر من عواقب الرد الذي قد يجرّ إلى تورط. وفي المقابل هناك دعوات لتدويل الأزمة على اعتبار أنها تخص المجتمع الدولي وليس أميركا وحدها. الرئيس متردد ولو أن هناك من يدفعه إلى التشدد "كما يرى جون برانن، مدير "سي آي إيه" السابق.

لكن الضغوط بدأت تتزايد. معلومات منسوبة إلى مصادر استخباراتية تسربت إلى شبكة "إن بي سي"، تفيد بأن "القصف انطلق من إيران". وهذه تهمة خطيرة ومحرجة للبيت الأبيض إذا تعززت بتسريبات أخرى موثقة. يضاف إلى ذلك أن هناك تقديرات جديدة تفيد بأن عملية القصف جرت "من داخل السعودية"، مع ما ينطوي عليه ذلك، إذا صح، من دليل على مدى الانكشاف الأمني للساحة السعودية عموماً وليس فقط لمنشآتها النفطية.

ربط القصف بالحوثيين بدأ يفقد صدقيته، على أساس بعد المسافة بين اليمن والموقعين، ودقة التصويب، وحجم العملية. وبذلك صارت الشبهات تتزايد ضد إيران. مع ذلك بدأت بعض الأوساط تدعو إلى المسارعة في احتواء الأزمة "والتحاور مع إيران"، كما يقول الجنرال المتقاعد الذي عمل في الشرق الأوسط، باري ماكفري، الذي يستبعد الحرب لأن "لا أحد يريدها: لا المملكة ولا طهران ولا ترامب". وكأنه ما زال يعتقد بإمكانية عقد اللقاء بين الرئيسين دونالد ترامب وحسن روحاني على هامش دورة الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك الأسبوع القادم، عملية أرامكو جعلت عقده مسألة صعبة، ولكن ليست مستحيلة، على الأقل لشراء وقت يحتاجه الجميع بقدر عدم حاجتهم للحرب.