واحد اثنان ثلاثة

02 ابريل 2015
الصورة
من عرض "ديالوغ" لـ ساشا فالس/ ألمانيا
+ الخط -
يُرفع الغطاء عن صحن صدئ، تظهر على خشبة الصحن الخالي من الطعام شوكة وسكين وملعقة
الشوكة عاريةً تماماً، أنيابها منتصبة للأعلى، مضطجعة في منتصف خشبة الصحن.
السكين نحيل الجسد، طويل القامة، حاد النظر، يقف متوتراً طوال الوقت.
الملعقة ترتدي المعدن، رأسها كبير، وجهها صغير خالٍ من الملامح، تجلس على حافة الصحن تؤرجح ساقها الوحيدة.
الملعقة: صحن صدئ
الشوكة: ولا كسرة خبزٍ فيه
السكين: فارغ من الجريمة
الملعقة: مظلم رغم رفع الغطاء
السكين: والظلام يحثُّ على الجريمة
الشوكة: أمضينا حياتنا نُطعم الأفواه
الملعقة: ولا أحد يُطعمنا الآن
السكين: أشعر بالجوع
الملعقة: وأشعر بالعطش
السكين: أشعر بعطشٍ وجوعٍ للقتل
الملعقة: نفسي تشتهي طعماً حامضاً
السكين: طعماً حامضاً!! هيهات ذلك
الشوكة: الجمهور بدأ يملأ الصالة
الملعقة: وما الحل
السكين: لا حل مع هذا الجوع والعطش
الشوكة: علينا فعل شيءٍ
الملعقة: أشعر بألم في بطني
السكين: أمضيت حياتي مجرماً بأيديهم
الملعقة: تُقطِّع اللحم لهم بأعصاب باردة
الشوكة: ودون مقابل
السكين: تقطيع اللحم لهم أمرٌ فظيع
الشوكة: تقطيع اللحم لهم أسهل من حمل الجثث لأفواههم
الملعقة: وحمل الدماء لأفواههم ليس سهلاً أيضاً
السكين: وحوش
الملعقة: جحود
الشوكة: مصاصو دماء
السكين: سأبتر ألسنتهم يوماً
الملعقة: وأشرب دمهم
الشوكة: ثرثاران، حمقاوان
الملعقة: حقاً الوقت يداهمنا، و اقترب عرضنا المسرحي
السكين: وأي عرضٍ مسرحي تتحدثين عنه
الشوكة: عرضنا المسرحي على هذا الصحن
السكين: ها ها ها، على صحن صدئ وفارغ
الشوكة: لا وقت للسخرية والضحك
الملعقة: يظننا نلهو بقطعة لحم وسط حساء ساخن !
الشوكة: (بغضب) كفى هراء، لنستعدَّ للعرض، أفواه الجمهور تراقبنا
السكين: (بغضب) ما قيمة هذا ونحن جياع
الملعقة: (حالمة) هو المسرح، أدفع قدمي الوحيدة في سبيله
السكين: (بأسى) أتستحق أفواههم العفنة، منَّا كل هذا النزاع؟؟
الملعقة: (بحدة) إنك تُحقِّر رسالتنا
الشوكة: (بهدوء) تستطيع الذهاب لصحن آخر
الملعقة: (بهدوء) صحن أحد الأغنياء يناسب عطشك وجوعك للجريمة
الشوكة: (تمدُّ الكلمات)حيث قطع اللحم الطرية، ولا تحتاج لجهد كبير في تقطيعها
السكين: (بحدة) إنكما تثيران غضبي، أحذركما
الشوكة: (بتحدٍ) ومن تظن نفسك؟
الملعقة: (باستهزاء) مجرد مجرم، وقاطع لحمٍ
السكين: (بغضب) أحذركما
الشوكة: ها ها ها ها...
الملعقة: هيه هيه هيه...
(يندفع السكين كثور هائج نحو ظهر الملعقة التي تراءت له كأنها قطعة رداءٍ أحمر، فيُرديها ميتة خارج الصحن الصدئ)
الشوكة: (تقف) واملعقتاه واألماه
السكين: (بارتباك) حذرتها، وأعود وأحذرك، كفيِّ عن العويل
الشوكة: (بحزن) بئس ما فعلت، لقد قتلتها، وقتلت جنيناً في بطنها
السكين: (بدهشة) جنين!!
الشوكة: إنها كانت حامل منك
السكين: ها ها ها، مني أنا، ها ها ها
الشوكة: في تلك الليلة التي انسكب فيها كأس الخمر على صحننا هذا
السكين: وما الذي حصل في تلك الليلة
الشوكة: حينها كنت ثملاً
السكين: لكنها لم تبح لي بذلك
الشوكة: أرادت أن تفاجئك
السكين: (بأسى) الظلمة تحثُّ على الجريمة (يصرخ) صحنٌ صدئٌ
الشوكة: بل أنت الصدئ يا دموي
السكين: اصمتي
الشوكة: لن يهدأ لي بال قبل أن أثأر للملعقة
السكين: بل أنا من سيثأر للجنين، سأعلمك كيف تكتمين عليّ أمراً مثل هذا
بحركة مفاجئة، تقوم الشوكة بوضع عنق السكين بين أنيابها المنتصبة بقوة، تبدأ بلوي عنقه بإحكام
الشوكة: (بحقد) مُتْ، مت.
السكين: (يضحك) بقوة، هيا، لا تتراجعي
الشوكة: (تضحك) لست مستعجلة، أريدك أن تتعذب
السكين: (بصعوبة) توقفي يا مجنونة، انتهت اللعبة
الشوكة: (تضحك) موتك جزء من اللعبة
السكين: (بصعوبة) أنيروا الصحن، وحوووش (يموت)
الشوكة: مت، وتذوق طعم الذي أذقته لجنينك (تصرخ) العاقبة لي، أنا التي رتبت أحداث هذه اللعبة
تتكوم الشوكة حول نفسها، تلين أنيابها لتغطي وجهها، وفجأة يطل نصف وجه
الملعقة من حافة الصحن، تبذل جهداً كبيراً في الصعود، تصعد بهدوء من خلف الشوكة
المتكومة في منتصف خشبة الصحن، وجه الملعقة مدمى، ورجلها مهشمة
تزحف من خلف الشوكة، تمسك شظية من شظايا السكين المسجى على الصحن
ترفع الشظية الحادة للأعلى، ثم تهوي بها للأسفل فوق رأس الشوكة المغمى عليها
الملعقة: (بأنفاسها الأخيرة) موتي، وتذوقي طعم ما ذاقه الذي في بطني، قمتِ بترتيب كل شيءٍ
مقابل حبة زيتون من السكين، لقد بعتني بحبة زيتون، فيا للخيانة، ويا للجوع، ويا للظلمة
تظل الملعقة تطعن برأس الشوكة إلى أن تتمدد الشوكة ميتة، وعلى الفور تسقط الملعقة ميتة
يخيم الصمت على الصحن، تكبر بقعة الدم التي تحيط بالملعقة والشوكة والسكين ،
الصحن أشبه ما يكون بقبرٍ لثلاثة موتى، (وفجأة) من وسط بركة الدماء يتحرك شيء ما
يحاول الخروج من بين الموتى الملطخين بالدماء الساخنة (فترة صمت وسكون) تعود المحاولات من جديد و دون جدوى (فترة صمت وسكون)، وفجأة شيء يخرج فإذا به جنين قد ولد للتو، جنين ولد وسط بركة الدماء، يحبو بصعوبة، يصل إلى حافة الصحن، يرمق الجمهور بعينين حمراوين
(يصفق الجمهور ما عدا شخص مبتور اليدين )
(يعود غطاء الصحن كما كان)
ظلام


* كاتب مسرحي من سورية                                                

دلالات

المساهمون